ظل «التطبيع» لسنوات وعقود من الزمن، سُبّة وتهمة عربية لأي شخص أو جهة عربية تقيم أي نوع من العلاقة مع المحتلين الإسرائيليين، منذ احتلال فلسطين عام 1948، وما زال عامة العرب يعتبرونه كذلك حتى اليوم. لكن بعض «الخاصة». رسميين وغير رسميين، بدأوا ينظرون إليه بمنظار مختلف.
فرغم اتفاقيتي كامب ديفيد عام 1979 ووادي عربة عام 1994 الرسميتين، ما زال الشعبان المصري والأردني يرفضان أي شكل من أشكال التطبيع في العلاقات والمعاملات مع الإسرائيليين، والأمر كذلك بالنسبة لباقي الشعوب العربية، رغم وجود أشكال متفاوتة من العلاقات على مستويات رسمية وتجارية، بين الإسرائيليين وبعض الحكومات والتجار في بعض الدول العربية، جانب منها علني أو شبه علني، وما خفي أعظم!
المفارقة الأكبر، أنه بينما يسير التطبيع العربي مع الإسرائيليين سيرا يبدو «طبيعيا». فإن العلاقات بين العرب أنفسهم تسير في اتجاه معاكس، ليس فقط غير طبيعي، بل شاذ أيضاً، حتى بمعايير العولمة ومنطق «القرية الكونية» الواحدة، فضلا عن واقع التكتلات والتجمعات الإقليمية والدولية التي أصبحت سمة العصر، ولم يعد يشذ عنها إلا الشاذون فعلا في أفكارهم وتصوراتهم، إن كانوا يفكرون أصلا ولديهم القدرة على تصور الأمور ورؤيتها على حقيقتها.
الزيارة التي قام بها مؤخرا رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى سوريا، والتي اعتبرت «تاريخية». وهي كذلك فعلا بمقاييس الواقع العربي الراهن، مثلت خروجا على هذا «الشذوذ العربي». ونقلة نوعية في اتجاه تطبيع العلاقات العربية. رغم أنه في الظروف الطبيعية، كان يفترض أن يكون مثل هذه الزيارة أقرب إلى الزيارات العائلية بين شعبين شقيقين متجاورين، بل شعب واحد في بلدين، سواء رضي البعض بذلك أو تنكّر له.
وهذا التطور التاريخي بين البلدين، بعد سنوات من الجفاء والجفاف السياسي والدبلوماسي، ما كان له أن يتحقق لولا جهود بعض المخلصين لانتمائهم العربي وواجبهم القيادي، والذين يمتلكون القدرة والجرأة على اتخاذ المواقف الريادية وتحمل أعباء الأدوار التاريخية الصعبة.
وفي مقدمة هؤلاء العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي كان لخطابه التاريخي، حقا، في قمة الكويت العربية مطلع العام الحالي، الدور الأكبر والأنجع في كسر الجليد المتراكم فوق مسارات العلاقات العربية، وفتح طريق واضح ومستقيم لعودة الحياة إلى هذه العلاقات التي بقيت طويلا في حالة موت سريري.
ولم يتوقف الملك عبد الله عند حد القول والخطاب الفصل، وإنما أتبعه بالعمل الجاد والدؤوب الذي حوّل مضمون الخطاب إلى واقع عملي ملموس، تُوج بزيارته شخصيا إلى دمشق في أكتوبر الماضي.
والحقيقة أن مثل هذه المواقف ليس مفاجئا ولا جديدا على الملك عبد الله، ولا على نهجه الذي عرف به منذ أن كان وليا للعهد. وقد أتيحت لي فرصة متابعة ذلك عن قرب، حين كنت طالبا في المملكة، إبان الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وبعده بسنوات. فقد كان يحرص في كل مناسبة على أن يوجه انتقادات شديدة للسياسة الأميركية في المنطقة العربية، ولمواقف أميركا من العدوان والاحتلال الإسرائيلي، رغم العلاقات التاريخية المعروفة بين السعودية والولايات المتحدة الأميركية. وكانت إحدى تلك المناسبات لدى استقباله، بصفته نائبا للملك، لوفد من الكونغرس الأميركي، وقد بُث جانب كبير من حديثه لذلك الوفد، عبر التلفزيون الرسمي السعودي.
ولا بد من الاعتراف، أيضا، بأن قيام الرئيس الحريري بهذه الزيارة، بعد كل ما شهدته العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا خلال السنوات الماضية، أثبت أن الشيخ سعد رجل دولة وقائد سياسي جدير بموقعه ومكانته.
وبالطبع، لولا التجاوب السوري ومواقف الرئيس بشار الأسد شخصياً، ما كان لهذه الثمار أن تُقطف، ولا للجهود التي بذلت لإنضاجها أن تصل إلى غاياتها المرجوة.
لقد كانت الزيارة ناجحة بكل المقاييس، وهو ما ظهر جلياً في عدة أمور ذات دلالة، ليس أقلها تمديدها من بضع ساعات فقط، كما كان مقررا من قبل، لتستمر يومين كاملين. وهو ما يمكن أن ينسحب على مجمل العلاقات العربية، إذا توفرت النوايا السليمة والإرادة الصادقة.
وما دام اللقاء بين شقيقين عربيين جارين يعتبر مناسبة تاريخية، وما دمنا غير قادرين على منع التطبيع العربي الإسرائيلي، سرا كان أو علنا، فلا أقل من أن نتمنى ونأمل بتطبيع عربي ـ عربي شامل، ولو في حده الأدنى .. أم أن ذلك لم يعد أمراً طبيعياً؟!
