الذين تابعوا الحوار مع دكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي بثته قناة دريم الثانية مؤخرا، لابد أنهم قد توقفوا عند مجموعة الآراء والأفكار المهمة التي طرحها هذا الخبير الدولي، بحكم السنوات الطويلة التي أمضاها في موقعه. غير أن هناك ثلاث نقاط محددة أثارها البرادعي شكلت محاور بالغة الأهمية، لا يزال يتعين التوقف طويلا عندها:
أولا ـ أن العالم العربي لم يتجاوز الهزيمة التي مني بها في الخامس من يونيو 1967، ولم يصل إلى نوعية الاستجابة التي كان ينبغي أن يفجرها هذا التحدي. ثانيا ـ أن أي محاولة جدية للتحديث والتطوير، في عالمنا العربي، من المحتم أن تنطلق من تحديث شامل لميداني الإدارة والتعليم، قبل أي ميدان آخر. ثالثا ـ أن الرأي العام العربي لا يزال أبعد ما يكون عن الحضور والتأثير في كل ما يتعلق بالقضايا الأكثر أهمية التي تؤرق العرب على مختلف المستويات. النقطة الثالثة، المتعلقة بالوضعية الراهنة للرأي العام في العالم العربي، جديرة، في اعتقادي، باهتمام استثنائي، خاصة وأن معالجة النقطتين الأولى والثانية لن يقدر لها أن تتحقق إلا من خلال إحراز نجاح مؤكد فيما يتعلق بوضعية الرأي العام العربي. المشكلة الحقيقية هي أن اصطلاح الرأي العام العربي قد تردد كثيرا وفي سياقات متضاربة، بحيث يبدو للبعض أنه لا يعبر عن كيان واضح ومحدد وقابل للقياس والترجمة في صورة اتجاهات في قلب الحياة العامة والشارع السياسي.
هذا الوضع لا يمكن إلا أن يكون مخيفا، لأن الوظيفة الحقيقية للرأي العام، في أي مكان، هي الرقابة والضبط. وغياب تأثير هذا الرأي يعني الفشل في أداء هذه الوظيفة الحيوية، وهو ما يفتح المجال لظواهر، أولها الدكتاتورية، وليس آخرها الفساد.
هنا، بالضبط، لابد لنا من التوقف عند الحقيقة البديهية، وهي أن الرأي العام العربي لا يمارس حضوره، أو غيابه، في فراغ، وإنما على أرضية من واقع لا يمكن إلا أن يوصف بالتخلف، وهو يترك بصمته على هذا الرأي وتجلياته وآليات عمله ومدى فشله أو نجاحه في أداء وظيفته.
هنا، بالضبط أيضا، لابد لنا من تلمس الآثار التي يتركها هذا التخلف على الرأي العام العربي:
أولا ـ واقع التخلف يترجم من الناحية العملية في صورة اختفاء القوى المتوسطة، أو على الأقل تراجع تأثيرها، ونحن جميعا ندرك مدى انحسار الشرائح الاجتماعية الوسطى في العديد من الدول العربية إلى حد التلاشي، وهي الشرائح التي ارتبطت تاريخيا بالقيام بدور حلقة الوصل بين القوى العليا والقوى الدنيا.
ثانيا ـ هذا الواقع أيضا لابد له من أن ينعكس على سمات وخصائص الرأي العام العربي، حيث نلاحظ أن هذا الرأي يتسم في العديد من المواقف بالسطحية والبعد عن العمق والقابلية للتلاعب بمقوماته، وهو أمر ينبع من الجهل أو على الأقل غياب الثقافة، وأيضا من الخوف الذي تراكم عبر مراحل تاريخية لا يستهان بها، ثم ان اختفاء الشرائح الاجتماعية المتوسطة لابد أن يفرز اختفاء شرائح الرأي العام المعتدلة، لنجد أنفسنا في مواجهة عدم الاهتمام أو اللامبالاة أو عدم العلم أو عدم المشاركة في الحياة العامة.
ثالثا ـ هذا الواقع يترك بصمته على ظاهرة الرأي العام في العالم العربي، من حيث استحالة أو صعوبة قياس اتجاهاته، أو على الأقل جعل دلالات هذا القياس غامضة وموضع تساؤل وبعيدة عن الوضوح والحسم.
ما الذي يمكننا القيام به في مواجهة واقع تلك أبرز سماته؟
في مواجهة علامة الاستفهام هذه يمكننا الرجوع إلى عدد من الحقائق التي قد تساعدنا في الانطلاق نحو الإجابات المنشودة:
1 ـ لا يملك عالمنا العربي ترف البقاء حيث هو، لأن المشكلات التي يواجهها تزداد كل يوم تعقيدا، والرأي العام هو الأداة الأكثر تأثيرا في الدفع باتجاه الحركة انطلاقا نحو أهداف التنمية الاقتصادية بالتزامن مع حل المشكلات الاجتماعية والقضايا السياسية.
2 ـ قوى العمل العام في عالمنا العربي مطالبة بآليات جديدة للحركة، تختلف عن تلك التي وصلت بها إلى طرق مسدودة، وجعلت التغيير يكاد يكون حلما مستحيلا.
3 ـ شهدت مجتمعات عربية عدة غيابا يكاد يكون مطلقا للتربية السياسية، وأصبحت الحركة السياسية مرادفا للتعرض لصدامات وخيمة العاقبة، وهذا الوضع يعني غياب الرهان على المستقبل والعجز عن مخاطبة الشباب والناشئة، وتوجيه رسالة إليهم قوامها الاغتراب والانفصال عن مجتمعاتهم
4 ـ إن المشاركة هي البوابة الرحبة، التي يمكن للمجتمعات العربية الانطلاق منها إلى رحاب المستقبل، ولكن السؤال الكبير هو: إلى أي حد تعد المشاركة شيئا مقبولا لدى دوائر عربية عدة؟
وفي كل الأحوال، فإن من المحتم أن الرأي العام العربي على موعد مع المستقبل، لأن هناك إجماعا بين شرائح عربية عديدة على أنه لابد لوظيفة الرأي العام، الرقابة والضبط، من أن تؤدى بنجاح تحت آفاق عالمنا العربي، لأن البديل هو.. الهاوية.

