لا يمكن تفسير ظاهرة تفشي حمى«الحلم الأميركي» بين أجيال متعاقبة في البلدان الفقيرة حول العالم بعيدا عن تردي معيشة الناس في تلك المجتمعات على غير صعيد، بدءا بالفقر نفسه ومرورا بأزمة الحكم السياسية ونقص الحريات فيها أو انتفائها وليس انتهاء بالصراعات والحروب.

لا يمكن فهم انتشار ذلك الكابوس، الذي عادة ما يبذل الناس من أجل تحقيقه الغالي والنفيس بما في ذلك أرواحهم، لأن نظرة سريعة على أوضاع المهاجرين واللاجئين في البلدان المتطورة تشي بحالات مزرية يعيشها هؤلاء لا تقل مأساويتها، في أحيان كثيرة،عن مثيلاتها في بلدان المنشأ، ذلك أن غالبية المهاجرين تعمل بشكل حصري في قطاع الخدمات الدنيا والوضيعة رغم ما يحملونه من شهادات أكاديمية عليا وخبرات لا يستهان بها ورغم نظرة الاستعلاء التي يرمقون بها هناك.

الحصول على الجنسية الأميركية أو الكندية، على سبيل المثال، مطمع يداعب عقول الكثيرين ممن يعرضون أنفسهم لمخاطر جمة لنيلها. ولقد تنوعت أساليب التحايل على سلطات البلدان الغربية عموما للحصول على الإقامة الدائمة هناك تمهيدا لنيل جنسيات تلك البلدان.

ومن أبرزها اللجوء إلى زيجات شرعية بمظهرها وشكلها ومزيفة بمضمونها تتم بين مواطني المجتمعات الغربية والمهاجرين أو الذين يسعون إلى الهجرة، زيجات لا ترى النور إلا على الورق بهدف واحد وحيد هو الحصول على الجنسية وغالبا ما تحدث هذه الزيجات المغشوشة بمساعدة خاتم الزواج التقليدي وتقوم بتنظيمها جماعات رفيعة الإدارة والتنظيم إلى درجة أنها تقدم التمرين الملائم كي يبدو الزواج قانونيا، هذا التمرين يشتمل على فستان العروس والتقاط الصور المزيفة للعرس.

والزبائن يدفعون مبالغ طائلة قد تصل إلى 10 آلاف دولار أو أكثر مقابل خدمة الزواج و تأمين الحصول على الزوج المنشود، فلقد تم في ولاية فلوريدا الأميركية وحدها، في الآونة الأخيرة فقط، القبض على أكثر من 80 شخصا لارتكابهم جريمة الزواج المغشوش، التي تشمل عملية تنفيذها الأشخاص الذين يرتبون الزواج والأشخاص الأجانب والـ «أزواج» الأميركيين المزعومين.

في كندا،على سبيل المثال ،أصبحت فئة الأشخاص الذي يقدمون طلبات لرعاية أزواجهم بقصد تسهيل هجرتهم إلى البلاد نبأ تتناقله مختلف وسائل الإعلام، في الوقت الذي فتحت سلطات البلاد فيه تحقيقا موسعا حول ما تعتبره زيجات قائمة على الغش والتجارة، الهدف منها جلب الأقارب أو الأصدقاء أو أشخاص آخرين إلى كندا مقابل دفع مبالغ مالية طائلة فضلا عن حالات أخرى أصحابها مهددون بالإبعاد عن كندا، ما يجعلهم يقعون بسهولة في فخاخ صيادي المهاجرين لكن من الداخل هذه المرة.

المؤسف والخطير في الأمر هو وجود الكثير من الأشخاص الذين ينجرون وراء ما يقوله الأصدقاء أو المعارف في الشارع الذين يتحولون دون دراية منهم إلى أبواق تروج لظاهرة الهجرة بغض النظر عن الوسيلة.

وإذا ما كانت هذه شرعية أو غير شرعية ولسوء الحظ أن آراء هؤلاء الأصدقاء رغم حسن نواياهم بغالبيتها هي آراء مثيرة للسخرية والضحك، ففي هذه الحالة يجب الأخذ في الاعتبار أن قوانين الهجرة في البلدان المضيفة كانت شديدة وأصبحت أشد بعد أن رفعت البلدان المتطورة راية«الحرب العالمية على الإرهاب» في مطلع الألفية الثالثة وأصبح معها الحلم الأميركي كابوسا أكثر بعدا عن المنال.

bassil@albayan.ae