عندما يعلن رئيس اعتزاله، فهو حدث يستحق الاهتمام به ودراسته وتحليله ومعرفة أبعاده ودوافعه، رغم أن بعض السوابق توحي دائما بعدم جدية قرار الاعتزال، وعدم الثقة في الالتزام به، بل ويعتبره الكثيرون مجرد مناورة سياسية، يعلن الرئيس «المعتزل» رغبته، ثم يعلن بعدها أنه اضطر للتراجع تحت الضغط الجماهيري الكاسح والهادر المطالب ببقائه.

والشعوب لا تشكك في النوايا ولا تفتش فيها، فلكل مسؤول دوافعه وأغراضه في الاعتزال أو التقاعد أو حتى التنحي مع اختلاف الظروف وصدق المواقف، وإنما تتمنى دائما أن يكون الاعتزال له مبرره السياسي، وفي إطار نظام ديمقراطي يحدد كيفية تولي السلطة بالانتخاب الحر المباشر ويضع ضوابط دستورية لحالات الاعتزال والتقاعد.

فالتلويح بالاعتزال في بعض الأحيان قد تكون له دوافع غير الزهد في الرئاسة. وكانت الحالة الاستثنائية في العالم العربي، بل كانت سابقة تاريخية، هي إقدام الفريق عبد الرحمن سوار الذهب قائد حركة الجيش في السودان في ابريل 1986 على ترك الحكم طواعية من أجل إجراء انتخابات مدنية سلمية، وكان يمكنه الاستمرار في الحكم اتباعا لقاعدة السلطة المعمول بها في العالم الثالث.

إلا أن العالم العربي فوجئ صبيحة يوم من أيام الصيف في يوليو 2005 بسابقة أخرى متشابهة في المقدمات، مختلفة في النتيجة عندما أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أمام مجموعة من السياسيين والدبلوماسيين والصحافيين في صنعاء في مناسبة الذكرى 27 لتوليه السلطة أنه لن يسعى لإعادة انتخابه العام المقبل-2006-«لكي يمهد الطريق أمام تغيير سياسي في البلاد لجيل من القيادات الشابة حتى تدخل اليمن عهدا جديدا من التداول السلمي للسلطة».

وكان إعلان الرئيس مسبوقا بمقولة شهيرة أطلقها حين أعلن «علينا أن نحلق رؤوسنا بأنفسنا قبل أن يحلق لنا الآخرون»، وكان الإعلان في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحه جورج بوش الابن والدعوة إلى مزيد من التغيير والديمقراطية في الشرق الأوسط، إلا أن الرئيس لم يستطع مقاومة الجماهير التي زحفت للعاصمة صنعاء وطالبته بالبقاء والاستمرار، ولم يجد بدا من النزول عند رغبتها وقرر الاستمرار.

ونصل إلى الحالة الأخيرة لقرارات الاعتزال الرئاسي، وهي إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدم رغبته في الترشح لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات المقبلة.

وربما تختلف هنا الدوافع والأسباب وراء إعلان«عدم الرغبة»، فهو يأتي في ظروف قلقة وعصيبة وتعكس خيبة وصدمة من الموقف الأميركي وتراجعه عن تعهداته والتزاماته من الدولة الفلسطينية وقضية الاستيطان.

في الوقت الذي يشهد فيه الصف الفلسطيني انقساما حادا وتقاسما للسلطة ما بين حماس وفتح.

ويفسر البعض موقف الرئيس عباس من إعلانه عدم الرغبة في الترشح للرئاسة وضع جميع الأطراف أمام مسؤوليتها والضغط على أطراف عديدة وخاصة حماس وبعدها قد يتراجع عن قراره في حال حدوث حراك أو حلحلة في الوضع المتجمد الحالي.

الرئيس عباس لجأ للقرار تحت وطأة المرارة والصدمة ممن حسبهم أصدقاء وداعمين، فأراد التلويح بالاعتزال والوصول إلى حافة الأزمة، إلا أنه ترك بابا للتراجع فإعلانه جاء مصحوبا بعدم الرغبة.

وليس القطع في عدم الترشح وعدم إصداره تعليمات بالبحث عن بديل للرئاسة ووضع رغبته في عهدة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومركزية فتح، وبالتالي ففي إمكان أي من اللجنتين قبول الرغبة أو تنفيذها.

وبالتأكيد وفقا للشواهد العامة، وما جاء في خطاب الرئيس عباس نفسه فإنه قد يتراجع عن قراره، لأن الشعب سيرفض، ويطالبه بالاستمرار في المسيرة لتحقيق الحلم الذي طال أمده كثيرا، فقد دخل الجميع نفق المفاوضات التي تمخضت عنها تنازلات، وقد يعقبها أيضا تنازلات دون رؤية الضوء الساكن في آخر النفق.

Asanhory2003@yahoo.com