لم تأت من فراغ سلسلة ردود الأفعال المفعمة بالغضب العارم، على امتداد العالم الإسلامي، حيال الاستفتاء في سويسرا الذي أقرّ 5 .57% من المشاركين فيه مبدأ حظر بناء المآذن في سويسرا، على الرغم من أن سويسرا بكاملها لا تضم إلا أربع مآذن فحسب، ذلك أن هذا الاستفتاء قد مهّدت له ودفعت باتجاهه وواكبته حملة مكثّفة من أحزاب وجماعات اليمين السويسري، وعلى رأسها حزب الشعب، حفلت بالكذب والادعاء والتضليل والتجهيل المتعمد بكل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين، وصولاً إلى هذه النتيجة، وأيضاً للقفز بحزب الشعب من نيل 6% من أصوات الناخبين في انتخابات محلية سويسرية إلى استهداف الحزب نيل ضعف هذه النسبة تقريباً.
نحن، إذن، أمام قضية شديدة الخطورة تتعلق بنشأة وبروز تيارات سياسية وايديولوجية تحرض وتدفع وتحشد باتجاه تصورات ومواقف عنصرية من المسلمين. غير أن هذا الضباب، الذي فرض نفسه على آفاق سويسرا، بفعل هذه القضية الخطيرة، ينبغي ألاّ يحجب عن أعيننا عدداً من الحقائق الساطعة: أولاً: إن ما يحدث في سويسرا وغيرها من الدول الأوروبية يأتي على أرضية من أزمة هوية حقيقية تشهدها أوروبا، فالكثيرون في أرجاء القارة يتساءلون، في مواجهة عالم يعيش العولمة وموجات الهجرة عما ينتظرهم في مستقبل يرونه بعيداً عن الأمان. ثانياً: ما شهدته الساحة السويسرية، وغيرها من الساحات الأوروبية، يتزامن مع بروز أكبر للمسلمين في القارة البيضاء، لكن هذه الحقيقة الموضوعية استغلتها أحزاب وجماعات أوروبية عدة للتلاعب بعواطف الأوروبيين ومخاوفهم والعزف على وتر وهم كبير اسمه «أسلمة أوروبا» والدفع باتجاه ربط المسلمين بظواهر مثيرة للجدل، تبدأ بالعنف.
ولا تنتهي عند الارهاب، ويجري تفجير الكثير من الضجيج والخلاف حول قضايا من نوعية النقاب والتمييز بين الجنسين، ويتم استغلال عدم معرفة الكثير من الأوروبيين بالجوهر الحق للإسلام وتضخيم علامات استفهام تطرح في مواجهة المسلمين، وتدور كلها حول التشكيك في نواياهم وتفسيرها في إطار نظرية المؤامرة.
ثالثاً: الاستفتاء السويسري في مجمله يكشف عن استراتيجية متكاملة، تعكس انتقاء مذهلا لأدوات محددة من أدوات الحركة السياسية والإيديولوجية، فمنذ البداية لم يكن أحد يتصور أن يأخذ الأمر الأبعاد التي انتهى إليها، حيث مال الكثيرون إلى الاعتقاد بأنه لن تتم الاستجابة أصلا للاستفتاء، وحتى إذا تم إجراؤه، فإن ربع من سيشاركون فيه هم الذين سيستجيبون للحملة المضللة التي وقفت وراءه، غير أن ما حدث بالفعل هو التلاعب بمخزون رجل الشارع السويسري من العواطف والانفعالات والمخاوف، في إطار حملة إعلامية ضارية، كانت من أبرز رموزها ملصقات مسيئة للإسلام والمسلمين بكل المعايير.
رابعاً: يرتبط ما جرى بالحقيقة القائلة إن الجالية الإسلامية في سويسرا، التي لا يتجاوز تعدادها 300 ألف نسمة رأت العاصفة قبل هبوبها، وحاولت بقدر الإمكان أن تتجنب صداماً أعد له مدبروه بحنكة وعلى مهل.
وهنا يثور سؤال محدد: هل كان هذا المنهاج هو الأفضل للحركة في مواجهة موقف تحدد من حيث الزمان والمكان، وبكل هذا القدر من التشابك والتعقيد؟ يتصور العديد من المحللين أنه ربما كان من الأفضل أن يبادر مسلمو سويسرا إلى مد الجسور ونسج نطاق من التحالفات مع الأحزاب والجماعات السويسرية التي بدا واضحاً أنها تقف ضد استفتاء من هذا النوع يناقض التراث الذي عرفت به سويسرا تقليدياً في التسامح الديني، ومن المحقق أن هذا الدرب لا يزال مفتوحا، ومن المؤكد أن السير فيه بمزيد من الجد والعزم هو الخطوة التالية المنطقية والطبيعية التي تفرض نفسها الآن.
خامساً: لعل الحقيقة الأكثر وضوحا في هذا الموقف بأسره هي المتعلقة بردود أفعال العالم الإسلامي حيال الاستفتاء السويسري، فقد توالت التعقيبات الغاضبة، وتعددت البيانات التي تشجب ما حدث وتدينه وترى فيه تطاولا على الإسلام والمسلمين، ولكن ألسنا هنا مع تجليات لطاقة غضب سرعان ما تنحسر من دون أن تترك شيئا واضحاً وملموساً ومؤثراً على صعيد الحركة على أرض الواقع؟
أليس من المنطقي أن نطالب بردود أفعال مدروسة، ومحكمة وفاعلة ومؤثرة؟ أليست الأولوية المطلقة الآن للحركة الواسعة والنشطة في دعم وتأييد الجالية الإسلامية في سويسرا وغيرها من أرجاء أوروبا؟.. إذا لم تتحرك منظمات وجماعات الحوار بين الأديان والحضارات الآن فمتى تتحرك؟
.. إذا لم يتم توظيف العلاقات الإقليمية والثنائية للضغط على الموقف السويسري الآن فمتى يتم توظيفها؟
إن الخطوة الطبيعية والمنطقية، التي يتعيّن أن تنهمر بعدها الخطوات، ينبغي أن تكون اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والبرلمان والقضاء السويسريين، في تحرك نشط يتصدره مسلمو سويسرا، بدعم منسق ومتكامل من العالم الإسلامي كله.

