تمر الأمم في حياتها بمنعطفات توصف بأنها تاريخية، لأنها تفجر في روحها من الطاقات والقدرات على مواجهة التحديات ما يصبح معه السابق في مسار هذه الأمم مختلفا اختلافا كيفيا عن اللاحق.
المثال الأكثر شهرة لهذه النوعية من المنعطفات هو إطلال أسطول السفن الأميركية التي عرفت بالسفن السوداء بقيادة ماتيو بيري على شواطئ خليج طوكيو الحالي في 8 يوليو 1853، مهددا اليابانيين إما بإبرام معاهدة تفتح السوق الياباني للمنتجات والمصالح الأميركية، أو بفتح أشداق المدافع عليهم، وهو ما أسفر عن فرض معاهدة كاناجوا في 31 مارس 1854. هذا التحدي الكبير ردت عليه اليابان بإصلاح ميجي لعام 1868، الذي شكل المظلة الحقيقية لتجربتي التحديث اليابانيتين، وقدم للعالم اليابان كما نعرفها اليوم. المهتمون بالتحديث الياباني يعتقدون أن هذا المنعطف في التاريخ الياباني يشبه إلى حد كبير الهزيمة العربية المدوية في الخامس من يونيو 7691، وهناك من يرون أن انهيار النظام الإقليمي العربي وما أعقبه من غزو العراق هو نموذج آخر، لكنه لم يثر حتى الآن رد الفعل الذي كان يمكن توقعه من جانب الروح العربية.
من خلال تأمل طويل لما يجري على امتداد الساحة العربية من أحداث وتطورات، يمكننا الذهاب إلى القول إن العامين المقبلين،عامي 2010 و2011 ربما يشهدان منعطفات وتطورات تنتمي إلى اللحظات التاريخية بامتياز، وتفرض علينا التساؤل المؤرق: هل تتصدى الروح العربية للأحداث المطلة في الأفق بما يتفق مع جسامة تحديات اللحظات التاريخية؟
ولابد لنا من ملاحظة أن روح الأمم لا تستمد حركتها من فراغ، وإنما هي وليدة انطلاق الجسد السياسي بكل عنفوانه في غمار تصديه للأزمات الكبرى، وهذا الجسد السياسي في أبسط معانيه يحيلنا إلى ثلاثة مكونات أساسية يتفرع منها الكثير من المكونات الجانبية:
أولا ـ القيادة، وهي في جوهرها وظيفة وقيمة وعلاقة في آن، فهي وظيفة يؤديها القائد زتبرر وجوده، وهي علاقة تحكم طبيعة الروابط بين من هو قائد ومن هو تابع، ثم هي قيمة تعكس صفات ومبادئ بعينها يحترمها القائد والجماعة معا.
وعلى الرغم من التعقيد الكبير الذي تعكسه ظاهرة القيادة وما يرتبط بها تقليديا من حديث عن النبوغ والعبقرية، إلا أن دورها في استنهاض روح الأمم في مواجهة التحديات يرتبط بمجمل الوظائف التي يِؤديها القائد، وأولها يتعلق بالتنفيذ، فهو يقوم بالتنسيق بين مقومات النشاط الجماعي، وهو يرتبط بالدور الأول في تحديد الساسات والأهداف التي تسعى إليها الأمة وملاحظة تنفيذها.
ثانيا ـ النخبة، وهي ذلك الكيان الأكثرفعالية ومرونة واقتدارا في الجماعة والقادر على التقاط أهداف الجماعة زسياساتها وتحويلها من تصور أو إطار مفاهيمي على مستوى القيادة إلى واقع متحقق كليا أو جزئيا، وبهذا المعنى فإن النخبة تتحول إلى الجسم الصلب القادر على امتصاص الصدمات وأيضا الأداة القادرة على التحرك وتحقيق طموحات الجماعة.
ثالثا ـ الجماهير، وهي تلك الحشود التي يتم التحرك باسمها وعبرها ومن خلاله وبمجمل قدراته، تحقيقا لأهداف الجماعة وسياساتها. إنها الرعية اليقظة كما عبر ابن أبي الربيع في عمله الخالد «سلوك المالك في تدبير الممالك»، ولكنها أيضا الجموع القادرة على أن تلقي ثقلها وراء قضية معينة فإذا بها وقد تحولت إلى قدر ومصير، غير أن هذه الجموع نفسها قابلة في لحظة معينة للتحول إلى كتلة رجراجة قابلة للتلاعب بها.
ولكن لماذا ننظر إلى عامي2010 و2011 باعتبارهما يمثلان لحظة تاريخية لابد من التعامل معها بأقصى قدر من الحساسية والحرص على الفهم والإدراك؟
لو أننا نظرنا إلى قلب العالم العربي، لوجدنا أن مصر ستعرف في هذه المرحلة الطريق الذي ستمضي عليه ربما لنصف قرن مقبل.
هنا ستثور مجموعة من علامات الاستفهام: هل تملك قيادات عربية الاقتدار السياسي الذي يتيح لها أن تدخل التاريخ باعتبارها استطاعت الوصول إلى مخرج ديمقراطي من موقف عربي دقيق ؟وهل تتمتع النخب بالرؤية الرحبة التي تجعلها قادرة على إيجاد حل دستوري يتيح تكريس الديمقراطية منهجا وطريقة عمل في كثير من بلداننا العربية؟هل تستطيع الجماهير العربية أن تمضي قدما إلى المخرج الديمقراطي المنشود متجاوزة إمكانية التلاعب بها؟
سوف نظل مرتبطين بكثير من التداعيات، حيث سيحدد العامان المقبلان ما إذا كانت عملية السلام في الشرق الأوسط قد وصلت إلى نهاية النفق، أم أنها يمكن أن تظل تداعب خيال البعض، ومن هنا يثور التساؤل حول الطريق الذي ستمضي فيه دمشق وحول أفق الحركة الذي يمكن أن ترتاده القيادة الفلسطينية.
في مشرق العالم العربي ومغربه تظل التحديات الكبرى دائرة حول إمكانية الجمع بين مقومات الأمن القومي وتحقيق طموحات العمل التنموي.
وفي كل مكان من عالمنا العربي، يظل من حقنا أن نتطلع إلى لحظات شموخ تاريخية من الروح العربية، في مواجهة تحديات لا تقل خطورة عن المشهد الكئيب للسفن الأميركية السوداء في خليج طوكيو قبل قرن ونصف القرن من الزمان.

