تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام، بالعيد الوطني الثامن والثلاثين لقيام الدولة الاتحادية. وإذا كان طبيعيا أن يحتفل أي شعب بعيده الوطني، فإن الشعب الإماراتي يحق له، ربما أكثر من أي شعب آخر، أن يحتفل بمثل هذه المناسبة في ذكرى قيام دولة الاتحاد.
فما حققته دولة الإمارات من تطور وإنجازات، منذ قيام الاتحاد على أيدي المؤسسين الأوائل، وفي فترة زمنية قياسية في أعمار الدول، وخاصة تلك التي استقلت بالتزامن مع دولة الإمارات، وحتى قبلها بعقود وربما قرون.. إنما يعود الفضل فيه، بعد الله، إلى القوة التي اكتسبها الاتحاد بتجميع الجهود وتوحيد الرؤى والإمكانيات، وإلى أولئك المؤسسين الذين وضعوا الأسس الراسخة والقواعد السليمة، وسهروا على بناء صرح الاتحاد، برؤية ثاقبة وعزيمة صادقة، متحمّلين المتاعب ومتحدّين الصِّعاب والعراقيل الكثيرة التي واجهت الاتحاد في بداياته، داخليا وخارجيا، وعلى أكثر من صعيد.
وقد كان لقائد هذه المسيرة الاتحادية، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الدور الأساسي والأبرز، في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي المميز، والذي لولا رؤيتهما المستنيرة ودورهما الرائد، ما كان له أن يتحقق وأن يصل إلى ما وصل إليه، من نهضة حضارية وتطور اقتصادي واجتماعي.. والاهم من هذا وذاك، ما حققه أبناء وبنات الإمارات، من تقدم ورقي في مختلف المجالات المعرفية والمهنية.
أفلا يستحق كل ذلك الاحتفال، وأكثر، بهذه المناسبة الوطنية المتفردة؟!
لكن ذكرى الاتحاد، الذي ترسخت أركانه وأينعت ثماره، ليست مناسبة خاصة بشعب الإمارات وحده، بل هي مناسبة عربية بامتياز، تستحق أن يفرح بها ويحتفل كل عربي مخلص لعروبته، صادق في انتمائه. بل ذلك هو الحد الأدنى من واجب الوفاء لمن أسسوا هذا الصرح الوحدوي الشامخ، ولمن استلموا لواءه من بعدهم فساروا على النهج وأضافوا إليه.
ولقد كان مستفزا حقا ومثيرا للاستغراب، أن بعض العرب المقيمين على أرض الإمارات العربية، لا يعرفون تاريخ قيام الدولة الاتحادية في الثاني من ديسمبر عام 1971. وما يدعو للاستغراب أكثر، أن النسبة كانت مرتفعة بشكل ملحوظ (43% حسب الاستطلاع الذي وصف بأنه »علمي« ونشرته الزميلة »الإمارات اليوم« مؤخرا!
وما يجعل هذا اليوم يوما عربيا متميزا، ليس فقط ما قدمته الإمارات وتقدمه باستمرار، من مواقف صلبة ودعم مخلص لكل القضايا العربية، وللشعوب العربية في مختلف مواقعها، من شواطئ المحيط الأطلسي إلى ضفاف شط العرب.. وإنما، أيضا، ما حققته من إنجازات في مختلف الميادين، ليس أقلها قيام الاتحاد في حد ذاته، وكلها إنجازات يحق لكل عربي، بل ويجب عليه أن يعتز بها ويفخر، خاصة وأنها تحققت في زمن قلت فيه إنجازات العرب وتدنت طموحاتهم.. حتى أصبحت تحت أقدامهم!
وتتميز الإمارات عربيا، كذلك، بأنها لم تُحرج العرب أو تُقحمهم في أوحال المشاحنات والخلافات العربية العبثية، ولم تضعهم في مواجهة بين الأشقاء أو مع الجيران، كما فعل غيرها ويفعلون دون حياء أو خجل!
فقد تميز النهج الذي اختطه وسار عليه القائد الرائد الشيخ زايد رحمه الله، بتغليب المصالح العربية المشتركة بعيدة المدى، على المصالح الذاتية الآنية ضيقة الأفق وقصيرة النظر. كما تميز نهجه، طيب الله ثراه، بسياسة حسن الجوار والإيمان العميق بالحوار وسيلة لحل النزاعات بين الدول، رغم المشاكل العديدة والاستفزازات، أحيانا، التي قد تصدر من طرف هنا أو جهة هناك!
وكان رأي الشيخ زايد ومبادراته للمصالحة بين أي بلدين عربيين، تلقى الترحيب والتقدير من الجميع، فقد كان بالنسبة إليهم في مقام الوالد والأخ الأكبر، الذي لا أحد يشكك في نواياه ومقاصده، أو يجرؤ على مخالفته. فهو ضمير الأمة وحكيم العرب، وقد تعود الجميع منه الصدق والإخلاص والإيثار.
ولم تكن مآثره وعطاياه قاصرة على العرب، بل عمت المسلمين وشملت الإنسان في كل منطقة تحتاج العون والمساعدة، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية، ودون ضجيج ولا منة.
وبكل موضوعية وتجرد، يستحق نهج زايد أن يدرّس في الكليات الأكاديمية المتخصصة، وأن يكون له كرسي خاص في مجالات التنمية الوطنية، والعلاقات الدولية، والعناية بالإنسان بصفته إنساناً، وفي العطاء الإنساني الذي لا يعرف الحدود ولا يرضى التمييز بين إنسان وإنسان.
