اخترع الألماني يوحنا جوتنبرج الطباعة، ففتح الآفاق أمام الصحافة، وأطلق الايطالي ماركوني البث الإذاعي، فيما أهدى الأميركي فيلو فرانسوورث التلفزيون للبشرية. هذه الاختراعات الثلاثة هي ما يشكل اليوم أفكار البشرية وسلوكياتها ، وهي ما تنتج الرأي العام.
كان الألماني بول جوزيف جوبلز، وزير الدعاية في عهد هتلر، من أدرك خطورة هذه الثلاثية، فقام بتحويلها إلى قوة سيطرة ، داخل ألمانيا وخارجها، وحارب بها الإمبراطورية البريطانية، وأذاقها المذلات الإعلامية، ولم تسلم منه ذراعها الضاربة، هيئة آل (بي. بي. سي)، فدس عليها العديد من الأخبار، وعندما أذاعتها نال منها. فقد روج ذات مرة أن محطة سكك حديد برلين تعرضت للتدمير على يد طائرات بريطانية، وعلى الفور تلقفت (بي. بي.سي) الخبر، وروجته، وبعد ساعات اصطحب جوبلز الإعلاميين لزيارة المحطة، ففوجئوا بأنها لم تمس بسوء ، فكانت الفضيحة البريطانية عظيمة.
ووصف الخبراء جوبلز بأنه مؤسس علم الحرب النفسية، فهو من قال (اكذب اكذب حتى يصدقك الناس)، وكان يؤمن بأن الحرب النفسية هي أقصر الطرق للانتصار على العدو ، لأنها تهز السلاح في يده.
وقد ورث الإسرائيليون جوبلز في نظرياته وطبقوها ضد العرب، فكان برنامج (العم حمدان) ضد المصريين، قبل وبعد انتصار أكتوبر العظيم، . وتلجأ إسرائيل عادة إلى تحريك الإعلام ضد الخصوم قبل ان تحرك جيوشها، فهي أول من روج لاتهام الفلسطينيين والعرب بالإرهاب عالمياً، وروجت لمقولة عدم وجود شريك فلسطيني لانجاز السلام ، على الرغم من أنها لا تريده على أي وجه.
اليوم ومع التوسع التكنولوجي تحول الإعلام إلى عضو نشط في كل بيت، وصارت حوائط البيوت مصنوعة من شاشات بلازما، مثلما صنعت الأسقف من ترددات الأقمار الاصطناعية. والناس بدورهم تحولوا إلى دمى في يد هذا الأخ الأكبر، يتلاعب بهم حسب الحاجة فيهدهدهم ويشحنهم، ومن أجل ذلك يكتشف النجوم ويصنعهم ثم يستهلكهم، فعواطف الناس وعقولهم لم تعد تطيق الفراغ ، لأنها نهمة للجديد المثير، من أجل ذلك لا مانع من اصطناع عدو جديد أو صديق جديد كل يوم، وبالتالي تنهار الثوابت والمقدسات.
