قبل ثلاثين عاما، كتبت في إحدى أبرز المطبوعات التي عرفتها صحافة الإمارات مقالا بعنوان »الحكماء يفارقون الحكمة«. وشأن كل من يتعلمون بالطريقة الصعبة، أدركت من مردود ذلك المقال إن الكتابة عن الحكمة في عالمنا العربي، وبصفة خاصة عن غيابها، قد لا تكون بالضرورة عملا حكيما. ربما لهذا على وجه الدقة فإن الجيل الذي انتمي إليه، جيل السبعينيين، الذي بدا صائتاً، كالشعراء، هو الجيل الأكثر صمتاً بين من سبقوه ومن أتوا بعده.

مع ذلك، هانحن نتحدث اليوم عن الحكمة، لأن غيابها ظاهرة صارخة على امتداد الساحة العربية. وليس تفاقم الأزمة المصرية الجزائرية في أعقاب المباراتين بين منتخبي البلدين وما واكبهما من أحداث إلا النموذج الأكثر حضورا اليوم للغياب الكلي للحكمة في الخطاب العام العربي. غير أنني أود أن ألفت النظر إلى نموذجين، أعتقد أنهما شكلاً الاستثناء الأكثر بروزاً من قاعدة غياب الحكمة عن الساحة العربية. النموذج الأول هو الحوار الذي أجرته قناة دريم الثانية مع المفكر العربي من مصر د. جلال أمين، أحد كتاب الرأي البارزين على صفحات»البيان«، وهو الحوار الذي تم بثه بالتزامن مع بث مباراة منتخبي مصر والجزائر في القاهرة، وهو ما يعني عمليا أن الحوار لم يشاهده أحد، وهو ما يدعو للمطالبة بإعادة بثه مرات عدة.

في ذلك الحوار عكس دكتور جلال أمين خبرته وثقافته الموسوعيتين، من خلال تحليل دقيق لمسار الاقتصاد المصري، وتأمل التاريخ المصري من مرحلة ما قبل الثورة حتى اليوم، واستشراف آفاق الحركة بالنسبة لمصر في مواجهة التحديات المطروحة عليها.

ويهمني هنا أن ألفت النظر إلى عدد من النقاط الجديرة بالتأمل في الحوار:

أولا- أكد د. جلال أمين أن كل فرصة أو احتمال أو محاولة للنهوض في مصر تتعرض للإجهاض على يد الولايات المتحدة، في تحقيق مباشر للمصالح الإسرائيلية. ومن المحزن أنه لم يفصل القول في رأيه فيما يتعلق بآليات التعامل مع واقع تلك أبرز ملامحه.

ثانيا ـ أوضح المفكر العربي أن مصر تعد من الدول التي تحقق معدل نمو جيدا مقارنة بالدول ذات الظروف المشابهة لها، وأن هذا المعدل يصل إلى 7%، وهو ما يعني حسب تعبيره أن الكعكة الاقتصادية المصرية أصبحت أكبر. لكن السؤال المؤرق هو:كيف يتم تقسيم هذه الكعكة؟ إن آلية التقسيم تتم حاليا بحيث إن الفقراء يزدادون فقرا والأغنياء يزدادون غنى.

ثالثا ـ أشار د. أمين إلى أننا نشهد هذه الأيام من يعزفون على وتر النسيان، ويروجون للقول إن عهد ماقبل 1952 كان أفضل من الوقت الحالي، وهم يتجاهلون أن 10% فقط من أبناء مصر كانوا هم الذين يشاركون في العملية السياسية وينعمون بعائد دوران دولاب الاقتصاد.

رابعا- أعرب د. أمين عن اعتقاده بأن الحكومة المصرية الراهنة هي الأكثر انصياعا لإملاءات صندوق النقد الدولي من بين كل الحكومات المصرية السابقة.

في مجمل هذا الحوار يمتد أفق يمكننا أن نتساءل تحته:لماذا لا تبرز الحكمة في توجيه الرأي العام العربي وصنع السياسات من جانب نخبة قادرة على تجنب الانزلاق إلى هوة الانفعال والانصياع لضغوط الظاهرة الجماهيرية؟

النموذج الثاني هو الحوار الذي أجرته قناة المحور مع المفكر العربي من مصر د. مصطفى الفقي، والذي تصدى فيه للأساليب المقترحة لمعالجة الأزمة بين مصر والجزائر ومنع المزيد من التردي والتدهور مع استمرار تداعياتها.

ويهمني هنا أيضاً أن أشير إلى عدد من النقاط الجديرة بالتوقف عنها في هذا الحوار:

أولاً- أشار د. الفقي إلى الأهمية البالغة لإدارة الأزمات وتساءل عن السر في السماح بمساحة هائلة من التعرض الإعلامي انصب الضوء فيها على متحدثين لايملكون الحد الأدنى من القدرات والخبرات والمؤهلات التي تتيح لهم التعامل مع أزمة على هذا القدر من الحساسية والخطورة.

ثانياً- شدد المفكر العربي على أن العلاقات العربية بلورت أدوات وقنوات تعامل مع الأزمات، وأشار بصفة خاصة إلى الاتصالات الثنائية ودور جامعة الدول العربية، وتساءل عن السر في عدم توظيف هذه القنوات في معالجة تداعيات الأزمة.

ثالثاً ـ أعرب الدكتور الفقي عن اعتقاده بأنه إذا كان لابد لمصر من أن تعبر عن استيائها مما حدث في أعقاب مباراة الخرطوم من جانب المشجعين الجزائريين، فإن ذلك ينبغي أن يكون عبر أدوات مناسبة، كالذي قامت به القاهرة عبر استدعاء سفيرها لدى الجزائر للتشاور، وهو إجراء قابل للتصعيد، وقال إن ذلك يمكن أن يتم من خلال موقف مصر من قضية الصحراء التي تعد الجزائر طرفا أساسيا فيها.

ومع الاعتزاز بما طرحه د. الفقي من آراء، تعد تجسيداً للحكمة في مواجهة طوفان من الطروحات التي تفتقر للعقلانية، فإني أعتقد أن هذه النقطة الأخيرة تعكس اجتهاداً جانبه التوفيق.

إن مواقف مصر، وغيرها من الدول العربية، من قضية الصحراء ينبغي ألا تقوم على تصفية الحسابات، ولا على لي الذراع، وإنما على ضوابط صارمة أهمها موقف أبناء الصحراء أنفسهم من خلال تقريرهم لمصيرهم، وأيضاً مدى خدمة الكيفية التي ستحسم بها هذه القضية الشائكة للمصالح العربية في المدى البعيد.

وفي كل الأحوال، يظل صحيحا ما قاله بابلو نيرودا يوماً: إن لحظة في الظلام لا تسلبنا البصر.

kamel@albayan.ae