الاهتمام الهائل الذي حصدته مباراتا منتخبي مصر والجزائر لكرة القدم، وما واكبهما من أحداث لم يسبق لها مثيل في علاقات البلدين الشقيقين ليس بحاجة إلى المزيد في هذه السطور، فهو ملء الأفق، ولكنه يشكل الأرضية التي ننطلق منها لإلقاء الضوء على حقائق غابت عن الوعي العربي، في غابة الزحام المتفجر.

ما تابعه الملايين على امتداد العالم لم يكن احتفالا بالفوز خرج، في بعض مساراته، ليفضي إلى الصدام والعنف، وإنما كان تجليا للظاهرة الجماهيرية في أكثر أبعادها وضوحا. هنا قد يبادر البعض مسرعا إلى التساؤل: أليس من حق المشجعين أن يحتفلوا بفوز منتخب بلادهم؟ أليس من الطبيعي أن تتوق جماهير اصطبغت حياته طويلا بركام من اليأس والإحباط إلى معانقة سويعات من الفرحة؟ أليس ما رأيناه تعبيرا عن الحس الوطني سبق أن تكرر في العديد من دول العالم في مناسبات مماثلة؟

هذه الأسئلة لا تنفي واقعا صريحا ومحددا، لابد لنا من إدراك أسبابه وأسراره وعالمه الخلفي الذي نبع منه، والأهم من هذا كله الوقوف طويلا حيال مدى إمكانية توظيفه في سيناريوهات مستقبلية متفجرة، ربما لم تخطر على بال أحد منا.

هذا التجلي الواضح للظاهرة الجماهيرية لابد له من أن يعيد إلى الذهن مجموعة من الحقائق، التي يبدو أنها غابت عن الكثير من الأذهان في قلب الزحام:

أولا ـ الجماعة البشرية تصيبها، كالفرد تماما، حالات من التوتر الحاد، فإذا بها تنتقل إلى حالة من الهياج الذي يرتبط به العنف ويصاحبه، حتى وإن درجت على الاعتدال.

ثانيا- هذه الظاهرة هي بطبيعتها ظاهرة جماعية، ولكنها تتسم بخصائص معينة تبرر دراستها والاهتمام بها إلى أبعد الحدود، فالسلوك في إطارها مختلف ومفتوح على أفق من العنف القابل للامتداد، وهو في كثير من الأحيان سلوك لاشعوري بحيث أن المشاركين فيه، بعد أن تنحسر عنهم حالة الاشتعال، يعودون للتساؤل عن أسباب التصرفات التي أقدموا عليها، وهو أيضا سلوك مؤقت، بمعنى أنه كما يشتعل بسرعة يعود للانطفاء بالسرعة ذاتها، ومن ثم تبتعد الجماعة عن التوتر، وهو سلوك يرتبط بظواهر معينة، في مقدمتها الشائعة والخوف والإحباط.

ثالثا ـ السلوك في إطار الظاهرة الجماهيرية هو سعي لإيجاد حل لمشكلة معينة، لم يستطع الفرد أن يجد لها حلا استنادا إلى قواه الذاتية، وبالتالي يسعى على مستوى من مصادر الطاقة أكثر اتساعا من مصادره الذاتية.

رابعا- البعض لا يتردد في وصف الظاهرة الجماهيرية بأنها ظاهرة نسائية، وذلك في إشارة إلى طابعها الغامض والمراوغ والذي يكاد يستحيل التنبؤ بتقلباته ومساراته المستقبلية.

هذه الحقائق، وغيرها كثير تمضي بنا إلى محاولة تحقيق فهم أوضح لما جرى في أعقاب المباراتين، من خلال تأمل التفسيرات المطروحة وتجاوزها إلى جوهر الحقائق.

لسوف نلاحظ محاولات التفسير التالية:

أ ـ لم يتردد أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري، في اتهام أطراف أجنبية لم يسمها بالسعي إلى تعميق الخلاف بين مصر والجزائر.

ب ـ بادر الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة السوداني، إلى إصدار بيان هاجم فيه كل وسائل الإعلام التي تسببت في تأجيج المشاعر وطالب مشجعي الفريقين بالإبقاء على التنافس الكروي في حجمه.

ج ـ أشار محللون إلى أن ما حدث يمكن وضعه في خانة الإحباطات العربية، ويكشف في الوقت ذاته الأزمة التي يعيشها النظام الرسمي العربي، الذي يسعى إلى تصدير أزماته عبر الرياضة.

د ـ شن كتاب ومثقفون وفنانون عرب حملة للتهدئة، وعزوا ما حدث إلى غياب الوعي والتعصب الهائل اللذين جرى استغلالهما من جانب أجهزة الإعلام، مما تسبب في احتقان شديد على الجانبين المصري والجزائري.

ومن المحقق أن هناك تفسيرات أخرى عديدة يمكن أن تضاف إلى هذا كله، حيث نجد من يعمد إلى ملاحظة طبيعة الخطاب المستخدم في غمار الظاهرة، ويلاحظ كيف تحدث سمير زاهر، رئيس اتحاد كرة القدم المصري عن «تحقيق حلم الشعب المصري»، ويشير إلى حديث حسن شحاته، مدرب المنتخب المصري عن «الانتصار» وعن «حلم الأجيال»، وفي غضون ذلك جمعت تقارير وكالات الأنباء بين الحديث عمن قتلوا في أحداث العنف ومن توفوا متأثرين بالوضع النفسي للأهداف المسجلة في المباراتين.

ويبقى أن البلدين كانا أمام عملية شحن نفسي وإعلامي هائلة، انطلقت لحجب الإخفاقات المروعة للأطر القيادية في البلدين وعجزها عن التصدي بالحلول المناسبة لمشكلات وقضايا مصيرية، ولصرف النظر عن الاستحقاقات الملحة التي آن أوانها سياسيا واقتصاديا، وفي المقام الأول لإعداد سيناريوهات أولية قابلة للتكرار في مراحل مقبلة من الصراع السياسي في كل من البلدين.

إن ما جرى تحت ستار الرياضة بالأمس القريب يمكن أن يجري غدا تحت أفق التلاعب السياسي وإعادة ترتيب المتغيرات، وربما لهذا، بالضبط، يتعين على أبناء البلدين الشقيقين أن يراجعوا ما جرى بدقة، وأن يسألوا أنفسهم: من المستفيد النهائي مما جرى؟ هل هذا السيناريو قابل للتكرار تحت أفق ناري بهدف التلاعب بمصير الملايين وكيف يمكن الحيلولة دون تمرير هذه السيناريوهات؟ وأخيرا: كيف تم إبعادنا عن مواجهة التحديات التي تهدد صميم أمننا القومي العربي إلى التردي نحو نسيج التمزق الذي يردد أصداء الأوضاع التي شكلت أرضية هزائمنا التاريخية؟

kamel@albayan.ae