هو نداء نريد أن نوجهه إلى كل العقلاء والراشدين والحكماء في هذه الأمة أن يسارعوا للحفاظ على ما تبقى من وشائج وروابط بين الشعبين المصري والجزائري وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بسبب تلك المباراة المشؤومة التي أفسدت كل شيء وفرقت وباعدت بدلا أن تجمع وتقرب.

إذا كانت منافساتنا العربية الرياضية ستتحول إلى ساحات للحروب وميادين للقتال والمبارزة وتبادل الاتهامات والاعتداءات ونشر الأكاذيب، ففضوها سيرة ولا داعي لهذه الرياضة القاتلة.

لن نقول لعن الله الفتنة ولعن من أيقظها فقد سبق السيف العزل، واستيقظت الفتنة الملعونة واشتعلت الحرائق المجنونة بين بلدين كنا نظنهما ينتميان للعروبة والإسلام، وبين شعبين كنا نحسبهما شقيقين بسبب مباراة مشؤومة، كان من المفترض أنها بين فريقين يتنافسان بروح رياضية لنيل شرف التأهل، ومجرد الوصول إلى كأس العالم وليس بغرض الحصول عليه.

خيبة وإخفاق وشقاق وافتراق وجرائم إعلامية ورياضية وشتائم وأكاذيب وادعاءات واعتداءات وتدمير ممتلكات.. هذا كل ما خرجنا به من مباراة في كرة القدم بين مصر والجزائر..فليس هناك من فائز أو منتصر بل خاسر ومهزوم في حرب داحس والغبراء الجديدة، وكأنه كان ينقصنا تلك الخيبة العربية أو قل العار والفضيحة الأخيرة، أمام أنظار العالم أجمع ليشمت فينا من يشمت ويبتهج ويسعد ويحتفل كل من خطط وجهز وتآمر ليصل بنا الحال إلى ما وصل إليه وسارت إليه الكارثة إلى ما أصبحنا فيه، في غياب أو ضياع أي صوت للعقل والحكمة حاول التهدئة والعودة بالأمور إلى نصابها الرشيد في بلدين بينهما ما يقرب ويوطد في العلاقات الرسمية والشعبية أكثر ما يفرق ويبعد ويؤجج نيران القطيعة بسبب سفهاء وجهلة هنا أو هناك.

أفلح مشعلو الفتن والحرائق في بث روح العصبية والكراهية والجاهلية بين الشعبين وانساق وراءها الجميع كبار وصغار، بل ذهب بعض الإخوة من المسؤولين إلى صب المزيد من الزيت على النيران المشتعلة لتزداد حدة الاحتقان والشحن والتهييج، إلى جانب الفظائع والجرائم الإعلامية التي ارتكبها عدد من الصحف ووسائل الإعلام المراهقة العبثية الساعية إلى الشهرة بأي ثمن حتى لو كان على حساب قطع العلاقات وإعلان الحرب وراحت تبث سمومها وتنفخ في كيرها دون حسيب أو رقيب، وكأن كل ما زعمته متفق عليه وكل ما نشرته مسموح به حتى لو حمل الإساءات والإهانات والتطاول على الشعوب وقيمها وعاداتها وتقاليدها وتاريخها.

ولا ندري إلى أي مدى وفي أي اتجاه كان يمكن أن تصل الأزمة لو أن هناك حدودا مشتركة بين البلدين، بعد أن بلغت الفتنة مداها وحققت مرادها وتداخل فيها الرياضي بالسياسي والدبلوماسي، هل كان من المتخيل أن تتحرك الطائرات والدبابات وتشتعل حرب عسكرية مثلما حدث بين الهندوراس والسلفادور عام 69 ولنفس السبب وذات الأجواء المشحونة والتعصب الكروي الأعمى وأيضا في مباراة في تصفيات كأس العالم؟.. نحمد الله كثيرا أن الشقيقين ليسا بجارين عزيزين، وإلا كانت الجيوش العربية الشقيقة على أهبة الاستعداد الآن للمواجهة.

انتهت المباراة وبقيت الأزمة .. نعم أزمة حقيقية بين البلدين ونيران لن تخمد وفتنة برؤوس شيطانية مازالت تطل وجراح مثخنة ستكون في حاجة إلى وقت طويل للتداوي والتطيب، فقد كشفت اللقاءات الرياضية بين البلدين عن وجه قبيح مقيت يحتاج إلى وقفة مكاشفة ومصارحة ولوم وحساب عسير وعتاب شديد ثم مصالحة وعلاج.

وأظن أن العالم الآن بات يدرك أن الرياضة لا تصلح للتقريب بين الشعوب العربية أو تشيع البهجة والمتعة في نفوسها، بل العكس هو الصحيح تماما، فهي أداه للفرقة والشقاق والتناحر. لأننا لا نتلاقى في ميادين رياضة، بل في ساحات حرب نتحول فيها إلى وحوش كاسرة فيما بيننا.

ولا نعرف تحديدا جذور العصبية والاحتقان عندما يلتقي فريقان عربيان في منافسة مفروض أنها رياضية فيها فائز وخاسر يخرجان متقاربين ومتحابين، نحتاج بالفعل إلى تحليل علمي يفسر هذا اللغز المحير، فعندما يلتقي فريق عربي وآخر أجنبي نرى الابتسامات والورود وتبادل العناق ونتقبل خسارتنا بكل روح رياضية، أما إذا التقى فريق عربي بشقيقه العربي فالنار والشرار والشرف الرفيع والدم الذي يراق.

وقديما كان الفلاسفة يعتقدون أن الشعوب إذا التقت في ميادين الرياضة فإنها لا يمكن أن تلتقي في ساحات الحروب، ولكن لحسن حظ هؤلاء الفلاسفة أن العمر لم يمتد بهم ليشهدوا هزيمة اعتقادهم وخيبة أملهم.. وحسبي الله ونعم الوكيل.

Asanhory2003@yahoo.com