الشرق شرق، والغرب غرب، يبدو أن تلك المقولة، كانت الدافع وراء الغضب الأميركي الذي أثارته انحناءة الرئيس الأميركي باراك اوباما أمام الإمبراطور الياباني اكيهيتو التي شاهدها العالم قبل أيام، فرغم أن خبراء البروتوكول الياباني اعتبروا تلك الانحناءة دليل احترام ولا تنقص من قدر صاحبها طبقا لطريقتهم لإظهار الاحترام لبعضهم البعض، قامت الدنيا ولم تقعد في الولايات المتحدة ورأى المحافظون خصوم أوباما هذه الخطوة ما كان يجب القيام بها من رئيس اكبر دولة في العالم، وأن الرؤساء لا ينحنون للأباطرة والملوك لاعتبارات سياسية.
هذا الانتقاد الأميركي ذاته أثارته أيضا نفس الانحناءة التي قدمها اوباما للعاهل السعودي الملك عبدالله لدى لقائهما في قمة العشرين في لندن في شهر ابريل الماضي، وكانت مجالا للعديد من التعليقات من خبراء السياسة والبروتوكول وحتى أصحاب المدونات من الأميركيين.
فانحناءة اوباما بمقدار 90 درجة أمام إمبراطور اليابان اعتبرها المعلق الأميركي من المحافظين الجدد وليام كريستول غير مناسبة لرئيس أميركي «أمام رئيس دولة أجنبية»، لأنها من وجهة نظرة تدل «على ضعف الولايات المتحدة في ظل رئاسة اوباما».
البيت الأبيض سارع بالدفاع عن اوباما مشددا على أن الرئيس احترم عبر هذه الخطوة التقاليد اليابانية، وهو الرأي الذي عبر عنه الأستاذ في الدراسات الإمبراطورية في جامعة سانغيو اليابانبة يساو توكورو الذي قال «حين نزور بلدا أجنبيا من اللياقات الجيدة احترام بروتوكول البلد»، مؤكدا أن خطوة اوباما «يجب أن تكون موضع إشادة ولا تستحق في أي من الأحوال الانتقاد»، لان «الانحناءة في اليابان لم تمثل أبدا علامة خضوع أمام شخص آخر».
واعتبر معلق على التلفزيون الياباني انه «لو قام اوباما بمصافحة الإمبراطور بدون الانحناء لكان بدا لنا متعجرفا جدا».
لكن هذه الآراء لم تخفف من غلواء المنتقدين الأميركيين الذين تذكروا مع انحناءة اوباما أن إمبراطور اليابان اكيهيتو هو ابن الإمبراطور هيروهيتو الذي كان يعتلي العرش ابان الحرب العالمية الثانية والذي فوض بالهجوم على ميناء بيرل هاربر الأميركى عام 1941.
وفضل بعض الأميركيين المصافحة البسيطة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني مع اكيهيتو عام 2007 على انحناءة اوباما معتبرين أن ما قام به تشيني كان الطريقة الملائمة لتحية الإمبراطور. وقال احد الأميركيين أن تصرف اوباما ربما اكسبه بعض الاستحسان في اليابان لكنه من المؤكد أنه أثار الغضب داخل أميركا، وانه من الأفضل لاوباما أن ينحني أمام الأميركيين ومشاكلهم بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعا في شعبيته في أوساطهم.
هذا الجدل الذي أثارته انحناءة اوباما ، يعكس في جوهره الاختلاف البين بين ثقافات الشعوب، وخاصة بين الشرق والغرب، إذ يفضل الأميركي، عندما يستقبل إنسانا غريبا، أن يصافحه بقبضة يد قوية وسريعة، وبنظرة في العينين، مباشرة وسريعة أيضا. ويستحسن أن تكون المسافة بينهما اقل من متر.
وعلى عكس الأميركيين يعتبر كثير من الشرقيين أن هذه تحية جافة، ولا تخلو من إحساس بالكبرياء، ويتحاشى الياباني، عكس الأميركي، النظر إلى عيني الإنسان الغريب نظرة مباشرة خلال الانحناءة لتحية الغريب، كما يبتسم الياباني أكثر من الأميركي عند اللقاء مع الآخرين ، لكنه لا يعتبر ذلك دليلا على مودة أو صداقة، ولأنه يبتسم ترحيبا بالآخر، أو يبتسم لإخفاء إحساس سلبي نحو الآخر. ويحرص الياباني ألا تتحول الابتسامة إلى ضحك، لان الضحك ربما يعني الضحك عليه أو على الشخص الآخر.
ومثل كثير من الآسيويين يحيي الصيني الاخرين بانحناءة، وان كان الصينيون بعد انفتاح على الخارج خلال العشرين عاما الأخيرة باتوا يميلون نحو المصافحة. أما الروسي فيحيي، مثل الأميركي والياباني الآخرين في جدية أكثر، مع مودة اقل، لأن الروسي يكتفي بإعلان اسمه وبمصافحة سريعة، بدون تلاقي العينين.
وفي مجتمعاتنا العربية فان الترحيب بالضيف بالمصافحة والمعانقة وإطلاق عبارات المجاملة أمر محمود، ودليل احترام من الطرفين، لان المثل الدارج يقول «لقيني ولا تغديني»، أي كن هاشا باشا حتى لو لم تقدم لي الغداء، فالشعوب في تحياتهم مذاهب.
