عندما يضيق صدر الأمين العام للجامعة العربية عمر موسى ببعض الملاحظات النقدية البناءة التي تطرحها الدبلوماسية السورية السابقة كوكب نجيب الريس، التي كانت تعمل في مقر مؤسسته في القاهرة، فأحبت أن تفيد من تجربتها الطويلة، وأن تكرسها في كتاب تحت عنوان «جامعة الدول العربية، ماذا بقي منها؟» تنتقد فيه الأمين العام للجامعة وطريقة إدارته للمؤسسة.
وعندما يتماهى السياسي العربي مع موقفه هذا بتحويل كاتبة ودبلوماسية عربية هي ظبية خميس إلى التحقيق ومن ثم نقلها من منصبها إلى قسم الأرشيف التابع للجامعة، لمجرد أنها كتبت مقالا عقبت فيه على كتاب الريس وآزرتها فيه، معربة عن نيتها في وضع مؤلف آخر يخص تجربتها هي في الجامعة، فإن من حق المتتبع للأحداث طرح السؤال المعياري التالي: كيف ضاق صدر الأمين العام بهذين القلمين الحرين.
بينما اتسع صدره للهذيانات الشوفينية التي وردت على لسان رئيس الدولة العبرية شمعون بيريز في واقعة دافوس الشهيرة، التي سجل فيها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان موقفا أدخل صاحبه التاريخ من أوسع أبوابه، بانسحابه من المؤتمر بعد أن تفوه المسؤول الصهيوني بتلك الكلمات المسمومة، التي تعكس معادلة الجلاد والضحية، محاولة إظهار الجلاد بمظهر الحمل الوديع، والضحية بمظهر الوحش الكاسر المفترس.
ومن حق المتتبع البسيط للأحداث أن يتساءل في متوالية فكرية عفوية، ويقول إذا كانت جامعة الدول العربية عصية على النقد والانتقاد إلى هذه الدرجة من الرهافة والحساسية، فكل ما عليها فعله هو إشهار سيف انجازاتها في الساحات العربية، ولتقل لنا لماذا تتسرب قضايا المنطقة الواحدة تلو الأخرى من بين أيدينا، وتهرب إلى أروقة منظمات ومحافل إقليمية ودولية؟
ولماذا يسطع نجم اللاعب التركي، على سبيل المثال، ملوحا بأوراق تخص المنطقة ومثله يفعل اللاعب الإيراني، ومن قبلهما الإسرائيلي، وعلى رأس كل هؤلاء الولايات المتحدة والمنظمات الدولية التي تأتمر بأمرها، بينما يخبو نجم كل إطار عربي رسمي حاجبا معه أي دور شعبي قد يلوح في الأفق.
وهل نسي الأمين العام حالة الإجماع العربية تلك المنادية بجراحة عاجلة لجسد مؤسسة باتت مهمتها الأولى لا التعليق على الأحداث وعدم صناعتها، فحسب وإنما تسويقها كذلك في محاولة منها لتبرير حالة من العجز الجميع متفق على أنها باتت تطال مختلف مفاصل ومستويات عملها الأفقية والعمودية على حد سواء؟
إذا كانت الجامعة العربية قد أحالت كاتبة ودبلوماسية إلى التحقيق وعاقبتها بنقلها إلى قسم الأرشيف، لمجرد أنها أبدت رأيها، فما الذي ستفعله لو أنها ظفرت بصاحبة الكتاب الأصلي الذي علقت عليه هذه الدبلوماسية، ثم ألا يدري هذا السياسي المحنك أنه بقرار نقله لها إلى الأرشيف يكون قد قدم لها أجمل هدية، إذا أخذنا في الاعتبار أنها عاقدة العزم على وضع مؤلف حول الموضوع الذي عالجه كتاب الريس، وأن موقعها في الأرشيف سيتيح لها فرصة ذهبية للاطلاع على المزيد من وثائق الجامعة العربية، التي قد تكون أشد وطأة مما أوردته الريس في كتابها.
