لماذا يأتي التكريم والاحتفاء والبكاء بعد الموت؟، ولماذا لا نعرف كل هذا القدر من الحسنات والصفات والخصال العظيمة عن الراحل إلا بعد موته وفقده؟.
أعرف مفكرين وقادة عسكريين عظاماً شاركوا في لحظات مجد هذا الوطن عانوا شظف العيش بعد الإحالة إلى التقاعد، ولكنهم تعففوا ولم يسألوا احدا من الكبار أو الصغار الحافا ورحلوا في صمت حتى تبين بعد الموت حجم ما كانوا يعانونه، ثم بدأ البكاء عليهم وقصائد الرثاء.
أقول ذلك وقد رحل عنا في يوم واحد الأسبوع الماضي رجلان أسهم كل منهما في مجاله بقدر وقدم الكثير لنهضة الوطن في الفكر والإبداع والعسكرية.
عن عمر واحد تقريبا ـ 88 عاما ـ رحل المفكر والطبيب والكاتب والأديب المصري مصطفى محمود، والسيد أمين هويدي وزير الحربية الأسبق ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
صعدت روحا الرجلين إلى بارئهما في صمت رغم ضجيج وصخب وانشغال رجالات الدولة في مؤتمر «من أجلك أنت»، وآثرا الانسحاب في هدوء احتجاجا على زمن الزيف والنكران والتجاهل بعد صراع طويل مع المرض اللعين.
ومع ذلك وكما يقول الشاعر.. الناس صنفان .. موتى في حياتهم وآخرون في باطن الأرض أحياء.. سيظل هويدي ومحمود أحياء، كل بانجازه العلمي والفكري والعسكري وإبداعهم ومؤلفاتهم، أما الآخرون الصاخبون المزعجون فمثل الزبد يذهب جفاء وهباء منثورا لا قيمة له.
من هنا فالتكريم الحقيقي هو من الناس البسطاء والفقراء الذين شعر بهم رجل مثل مصطفى محمود، وضحى من أجلهم شريف مثل أمين هويدي.
مصطفى محمود صاحب البرنامج الأشهر عربيّا «العلم والإيمان» رحل بعد أن ترك حوالي 90 أثرا فكريّا، جلها تمحورت حول المواضيع الدينية الفلسفية التي تبحث في جواهر الأمور الروحية والباطنية، ولا ترضى بالتسليم والقنوع و«إخماد» جذوة إعمال العقل.
اقتحم عديد المناطق الشائكة بكلّ جرأة ولم يخش ردود الأفعال الصادرة آنذاك من قبل علماء الأزهر ومشايخ الزوايا.. رفع شعار «المراهنة الكبرى» التي خاضها ولا تزال تلقي ب«ظلالها» علينا إلى اليوم.
تعرّض لأزمات فكرية كثيرة كان أولها عندما قدم للمحاكمة بسبب كتابه «الله والإنسان» وطلب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر باعتبارها قضية كفر!.. إلا أن المحكمة اكتفت بمصادرة الكتاب، بعد ذلك أبلغه الرئيس السادات أنه معجب بالكتاب وقرر طبعه مرة أخرى.
لم يراعِ أحد شيبة الرجل ولا تاريخه العلمي والديني وإسهاماته وهاجموه بسبب موقفه من قضية الشفاعة، حاول أن ينتصر لفكره ويصمد أمام التيار الذي يريد رأسه، إلا أن كبر سنه وضعفه هزماه في النهاية. كانت محنة شديدة أدت به إلى أن يعتزل الكتابة إلا قليلا وينقطع عن الناس حتى أصابته جلطة دماغية عام 2003، فعاش منعزلا وحيدا. أنشأ مصطفى محمود سنة 1979 بالقاهرة مسجدا يُعرف باسمه به ثلاثة مراكز طبية ومستشفى وأربع مراصد فلكية.
أمين هويدي وزير الحربية الأسبق، والذي كان له دور هام في حقبة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رحل بعد معاناة طويلة مع المرض، ويظل وهو كاتب ومفكر أيضا الشخص الوحيد الذي تولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في آن واحد في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
عايش فترة حرجة جدا في تاريخ مصر ألا وهي نكسة 1967، فقبل النكسة كان نائبا لرئيس جهاز المخابرات العامة وبعد الهزيمة تولى رئاسة جهاز المخابرات، كما أنه كان مستشارا للرئيس عبد الناصر للشؤون السياسية ثم سفيرا في المغرب وبغداد، وتولى أيضا منصب وزير الإرشاد القومي، ثم وزيرا للدولة لشؤون مجلس الوزراء، ثم وزيرا للحربية ورئيسا للمخابرات العامة في نفس الوقت، وهو ما اعتبر سابقة في تاريخ مصر الحدي، كما أنه يؤكد مدى الثقة التي كان يحظى بها أمين هويدي لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
إلا أنه في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، انقلب الحال تماما، وتم اعتقال أمين هويدي في أحداث 15 مايو 1971 بتهمة الخيانة العظمى وحوكم ثم وضع تحت الحراسة ليعمل فيما بعد في مجال البحث والتأليف والكتابة، بلغت مؤلفاته25 كتابا، عاش مفكرا وزاهدا.
