عندما يحيد الإعلام عن لعب دوره كرسالة، ويغرق في التسطيح ،وتغيب البوصلة المرشدة، يسلك القائمون عليه دروبا وأزقة تخرجه عن المسار الاساسي لوسيلة باتت هي الأخطر من أي سلاح في عصر التقدم المذهل لوسائل الاتصال.
والمتابع لوسائل الإعلام المصرية والجزائرية، وخاصة الرياضية منها هذه الأيام، لابد وأن يلمس عمليات الحشد والتعبئة التي تشعرك أن مصير تحرير فلسطين، أو إخراج الجنود الاميركيين من العراق، وإنهاء الصراعات في الصومال ودارفور ،أصبح معلقا بأقدام 22 لاعبا يمثلون مجموع المنتخبين الوطنيين في البلدين (الشقيقين) في مباراة فاصلة لتحديد أي منهم سيكون له شرف تمثيل بلاده في المونديال، التي ستقام في جنوب أفريقيا العام المقبل.
كرة القدم لعبة شعبية لا شك في ذلك، والرياضة عموما شئ حميد، غير أن التضخيم من أهمية مباراة، وتحويلها إلى معركة مصيرية ستحدد مستقبل الأمة، تصوير مخل للواقع، ودفع باتجاهها لا تحمد عقباه، يقودنا في النهاية إلى الوقوع في فخ التعصب الاعمى، الذي يصعب علاجه فيما بعد بغض النظر من فاز أو خسر مباراة في لعبة مهما كانت جماهيريتها.
فهل يعقل أن يشهر القائمون على الإعلام الرياضي في مصر والجزائر كل الأسلحة وبمختلف أنواعها لمجرد كسب التأييد لهذا المنتخب أو ذاك، وأن يلجأ البعض إلى فبركة القصص والحكايات التي تستخدم أسماء رؤساء دول وشعوب، على حساب الحقيقة التي يشكل البحث عنها جوهر عمل الصحافيين والقائمين على شأن الاعلام؟ وماذا سيجني رجال القلم والشاشة الصغيرة، وأصحاب المواقع الالكترونية التي تتوالد مثل الأرانب، من ذبح الحقيقة،لكسب معركة ستنتهي بمجرد إطلاق حكم المباراة صافرة النهاية بعد 90 دقيقة من ركض اللاعبين خلف الساحرة المستديرة كما يحلو للزملاء في التعليق الرياضي وصفها.
هل يستحق الأمر كل هذا الحشد وشغل الناس وإثارة النعرات المقيتة؟ وهل الذهاب إلى جنوب افريقيا للعب مباراتين اوثلاث، يحتاج إلى كل هذا الصخب في وسائل إعلام بلدين شقيقين على مدى يفوق الشهر الكامل؟
ألا يحتاج الأمر وقفة جادة تخرج بعض اعلامنا العربي من السقوط في بئر صناعة الأوهام وكأن إعادة أمجاد العرب في الأندلس سيمر عبر هز الشباك، وركل الكرات!
