بعد غد يمر عشرون عاما على سقوط حائط برلين الذي اعتدنا أن ننعته اقتداء بالغرب بلقب «الستار الحديدي». ويحق للمنتفعين بسقوطه وبالتحديد للأميركيين أن يحيوا هذه الذكرى بكل سرور. فبانهياره صارت الإمبراطورية السوفييتية وتوابعها آيلة للسقوط في أي لحظة. وجاءت بالفعل اللحظة في بدايات صيف 1991.
الأمر المثير أن الأميركيين عندما تابعوا مشاهد انهيار السور، ظنوا أن آخر زعماء الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف سيسعى إلى الانتقام مثلما فعل بريجنيف خلال ربيع براغ عام 1968. هذا ما قاله مؤخرا الداهية العجوز الذي عاصر الحدث وهو الجنرال المتقاعد برنت سكوكروفت مستشار بوش الأب لشؤون الأمن القومي الأميركي. ففي بادئ الأمر كان البيت الأبيض قلقاً من أن الأحداث التي تجرى سريعا في برلين.. يمكن أن تدفع غورباتشوف لشن إجراءات صارمة ضد الحملة الإصلاحية في شرق أوروبا.
ولكن المعول الذي هدم السور لم يكن وحده هو الشباب المندفع كالتيار الجارف لتحطيم بنيانه في 9 نوفمبر 1989 الذي لم يصمد سوى أقل من ثلاثة عقود.. بل فكر غورباتشوف. فكر مدمر حمل اسم «البيروسترويكا و«الغلاسنوست». ولم يكن غريبا بعدها.. مثلا.. أن تبصق امرأة سوفييتية عليه عندما أراد بكل بجاحة أن يخوض انتخابات الرئاسة الروسية.
هذا الزعيم الذي كانت لبلاده المناعة والقوة لنصرة الضعفاء في أنحاء العالم الرافضين للهيمنة الأميركية، بات بعد أن تسبب في انهيار الإمبراطورية السوفييتية.. أشبه بمتسول يبحث عن وظيفة.. ووجد له الأميركيون أكثر من عمل يرزق منه، فظهر في إعلان لأحد المطاعم الأميركية التي تقدم الهامبورغر وقبض الثمن وهو مئة ألف دولار. كان هذا هو مصير غورباتشوف الذي فتح النوافذ والأبواب على مصراعيها ودون ضوابط باسم البروسترويكا.
فماذا كان مصير العالم من بعد انهيار جدار برلين وما تبعه من زلازل سياسية في شرق أوروبا؟
اختفى الاتحاد السوفييتي. ولم يبق من بنيانه سوى روسيا التي صارت مرتعا لكل الفواحش ما ظهر منها وما بطن. حكمها يلتسين، وعلى يديه بدا الكيان الروسي في حالة يرثى لها.
في كتابه «العالم بدون روسيا» يقول يفجيني بريماكوف الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد يلتسين، أنه اكتشف شخصيا أن يلتسين آخر من يعلم بما يجري حوله. كانت حوله عصبة من المنتفعين الذين أخفوا عنه حقائق الأمور في البلاد. ويبدو أن الأميركيين كانوا يعلمون بما يجري في روسيا أكثر مما كان رئيسها يلتسين يعلم!!
العالم بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي، صار بالفعل في قبضة أميركا التي لا ترحم العصاة الذين يتمردون على سياستها. نحن نعيش الآن سور برلين آخر.. يحجب الحق عن أصحابه. أقامته الولايات المتحدة ثم فرضته عصبة المحافظين الجدد الذين عاثوا في أرض العراق وأفغانستان تخريبا وتدميرا وقتلا.
الستار الحديدي الأميركي يحجب عن العالم الشرعية والعدالة الدولية. لا نذهب بعيدا ولنضرب مثلا بتأثير هذا الستار علينا. فأميركا بمؤسساتها التشريعية.. الكونغرس.. تسدل ستائرها الحديدية على من يحاول أن يخترق أبواب العدالة الدولية ويطالب بالحق الفلسطيني.
هاهو تقرير القاضي غولدستون بشأن جرائم إسرائيل قد يتحول إلى حبر على ورق، فالستار الحديدي الأميركي يحاصر التقرير ويمنع تطبيق العدالة الدولية.
