تبدو إسرائيل جد قلقة من سعي إيران لامتلاك الطاقة النووية، مثلما تبدو غاية في الحيرة إزاء التعاطي مع هذا الأمر، الذي تعتبره بمثابة تهديد وجودي لها، ونهاية لقصتها كدولة رادعة تحتكر التسلح النووي في منطقة الشرق الأوسط.
وجاء إعلان إيران، مؤخرا، عن بناء مفاعل نووي أخر في «قم» ليزيد الطين بلة، بالنسبة لإسرائيل، التي باتت تشعر بأن العالم يقف متفرجا على مايجري، في حين أن إيران تواصل طريقها النووي، غير عابئة بأحد.
وإذا كانت أسباب خشية إسرائيل من كسر احتكارها النووي في الشرق الأوسط معروفة، فإن حيرتها في الخيار الواجب اعتماده للحؤول دون ذلك تنبع من أسباب عدّة، إذ تبدو هذه المرة مقيدة في التعاطي مع إيران، حيث الولايات المتحدة، والدول الكبرى، مازالت تجد في الدبلوماسية خيارا لثنيها عن تطلعاتها النووية (العسكرية).
أيضا، كانت تجربة العراق الفاشلة، ووقائع حرب لبنان (2006)، بمثابة جرس إنذار لإسرائيل (والدول الكبرى) بشأن العواقب الوخيمة للخيارات العسكرية في الشرق الأوسط، الذي يصعب التكهن بردود أفعال مجتمعاته. ومع ما تقدم فإن إيران ليست دولة ضعيفة، بحجمها الجغرافي والبشري وقوتها الاقتصادية والعسكرية، وقربها من منابع النفط، وتملكها أوراق ضغط عديدة في المنطقة.
ويمكن ملاحظة قلق إسرائيل وحيرتها بشأن التعاطي مع الملف النووي لإيران في تصريحات قادة إسرائيل ومقالات المحللين الإسرائيليين. فقد وضع بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل، الخطر الإيراني على رأس المخاطر التي تتهدد دولته، داعيا الدول الكبرى لوضع هذا الملف على رأس سلم أولوياتها.
وهو مابرح يؤكد على مخاطر التلاقي بين الإسلام المتطرف والقوة النووية، معتبرا إيران دولة إرهابية وتدعم الإرهاب، إشارة إلى دعمها حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين. أما أيهود باراك، وزير الدفاع، وعلى رغم تلاقيه مع نتنياهو في هذا الموضوع إلا أنه يطالب بالتروي في التعامل مع الملف النووي الإيرانيً.
وعلى صعيد المحللين الإسرائيليين كتب آري شافيت: «الساعة الإيرانية تتكتك بوتيرة 3 كيلوغرامات يورانيوم مخصب في اليوم..
رغم النجاحات المذهلة في مجال الإحباط إلا أن هذا الإحباط لا يحبط الذرة الإيرانية وإنما يؤجل موعد القطار..على افتراض أن طهران ستتصرف بعقلانية ولن تستخدم سلاح يوم الحساب بصورة مباشرة فان وجود الذرة بحد ذاته سيتسبب بتسلح نووي جارف في الشرق الأوسط..
سيغير توازن القوى بين المتطرفين والمعتدلين..سيحول الشرق الأوسط إلى منظومة نووية متعددة الأقطاب..تفتقد للاستقرار..إيران النووية تعني السعودية النووية ومصر النووية وتركيا النووية وعالما ثالثا نوويا. إيران النووية تعني أن القرن الـ 21 سيكون قرن الرعب. («هآرتس 1/10)
كذلك ثمة محللين حذروا من مغبة قيام إسرائيل بعمل عسكري فردي، لا تحمد عقباه، وفي هذا الإطار كتب يوسي بيلين مقالا حض فيه إسرائيل على «تخفيض مستوى خطابها الآن، وإتاحة المجال أمام العالم لقول كلمته. فالتقارب الأميركي ـ الروسي، والقلق الصيني..يشيران إلى أنه من المحتمل أن تثمر مساعي الرئيس أوباما عن نتائج مرضية.
فإتاحة المجال أمام إجراء حوار لفترة زمنية محددة، يتم بعده، في حال فشله، فرض عقوبات تصل إلى درجة وقف تصدير المشتقات النفطية إلى إيران.. تخفيض مستوى الخطاب الإسرائيلي وابتعادنا عن خط الجبهة المواجهة لإيران، تمثل مصلحة قومية وأمنية. («إسرائيل اليوم» 29/9/2009)
واختار ايتان هابر التحذير من المبالغة بقدرات إسرائيل، متسائلا: «وماذا إذا كنا نحن غير قادرين على أن ننهي حياة النووي الإيراني؟
وماذا إذا كان الأميركيون، الذين يفهمون جيدا الورطة التي ينطوي عليها الهجوم على إيران، سيقولون لنتنياهو وباراك «اجلسا بصمت«؟..إذا كنا قادرين على الهجوم ونعرف ما يحتويه كل نفق في إيران الهائلة في مساحتها، فكيف لا نزال لا نعرف، بعد أربع سنوات أين يوجد جلاد شليت؟». («يديعوت أحرونوت»، 930)
وفي ذات السياق نشرت «هآرتس» في افتتاحيتها (يوم 29/9) مقالا اعتبرت فيه أن صدّ البرنامج النووي الإيراني هو مصلحة إسرائيلية أولى، ومثلها أيضا منع التصعيد والانجرار إلى حرب إقليمية..المسار الذي ينبغي أن تتحرك داخله الإستراتيجية الإسرائيلية: تعزيز الردع، التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة، والامتناع عن استفزاز زائد للإيرانيين..على إسرائيل أن تقف خلف الرئيس اوباما وان تسمح له باستنفاد الخطوة المتداخلة من الحوار والتهديد بالعقوبات.
هذا الزمن لسياسة مسؤولة..التهديد الإيراني ليس مشكلة إسرائيل وحدها بل مشكلة الأسرة الدولية».
مع كل ذلك ثمة تحليلات أشارت إلى أن «كل الخيارات على الطاولة»..ولكن..دون موافقة الولايات المتحدة على خطة عسكرية، من شأن إسرائيل أن تدفع ثمنا باهظا». في القيادة السياسية يوجد المزيد فالمزيد من المحافل التي تعتقد بأنه يمكن ربط الولايات المتحدة بخطوة عسكرية فقط إذا كان هناك تقدم حقيقي في المسيرة السياسية حيال الفلسطينيين.» (مايا بنغل، «معاريف» 27/9)
ومن جهته أجمل ألوف بن الموقف الإسرائيلي الحرج بالكلمات التالية: إسرائيل لا ترغب بحصول إيران على السلاح النووي. أيضا لا ترغب بحرب مع إيران، قد تكون طويلة ومدمرة. ما الذي يمكنها إن تفعله؟ أمامها إستراتيجيتان، إستراتيجية هجومية وأخرى إحباطية. الإستراتيجية الهجومية تدعو..لقصف المنشآت النووية..وتفترض أن العالم سلم بوجود السلاح النووي الإيراني ولن يفعل ضده شيئا..أنصار القصف..يعتقدون أن على إسرائيل أن تعتمد على نفسها فقط..
كما فعلت عام 1981 ضد المفاعل النووي العراقي..القصف الناجح قد يعزز قدرتها الردعية ويعيد بناء صورتها كدولة عظمى عسكريا في المنطقة.» وبرأي ألوف بن فإن «ضعف الإستراتيجية الهجومية نابع من كونها متوقعة..حيث بذلت إيران جهودا كبيرة لإحباطها..والإستراتيجية الإحباطية تسعى لتجنب المجابهة المباشرة ذات النتائج المشكوك فيها والأضرار الملموسة.
هذه الإستراتيجية تعمل لكسب الوقت مع عرقلة المشروع الإيراني إلى أن تتحرك أميركا أو أن يضعف النظام في طهران. لكن الإحباط وحده لا يستطيع منع إيران من الوصول إلى القنبلة ونجاحه يعتمد على الإطراف الخارجية - الإصرار الأميركي، والمعارضة الإيرانية للإستراتيجية الإحباطية أيضا ثمن داخلي».
ويعتقد الكاتب بأن «إسرائيل اختارت حتى الآن خيار الإستراتيجية الإحباطية السياسية..في ظل وضع كهذا تحاول إسرائيل الإظهار بأن صبرها ينفد وإقناع الآخرين بأنه إن لم يتحرك العالم فستخرج للحرب ضد إيران. 930)
