جاء خطاب نتانياهو، من على منبر الأمم المتحدة، غاية في الصلافة والبجاحة والإنكار، في وجه المجتمع الدولي والعرب والفلسطينيين، بما يليق بدولة استعمارية عدوانية عنصرية، تستمد أيدلوجيتها من الصهيونية.

وفي تحليل لمضمون هذا الخطاب يمكن ملاحظة أنه يستبطن القوة، التي تتيح القدرة على اغتصاب حقوق الآخرين، والروح الاستعلائية/العنصرية التي تتأسس على محوهم، أو تغييبهم، مثلما يستبطن، أيضا، أيدلوجيا غيبية، تستند إلى الأسطورة الدينية /التوراتية، لتبرير وجود إسرائيل، أو اصطناعها، في هذه المنطقة.

خطاب عنصري بامتياز

أيضا، ففي خطابه، حاول نتانياهو تصوير إسرائيل باعتبارها حارسا للحداثة والعلمانية والديمقراطية في المنطقة، في وجه الإسلام الراديكالي وإيران نجاد، متناسيا دعوته لدول العالم للاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وسيطرة التشريعات اليهودية على القوانين الإسرائيلية، وهيمنة الحاخامات والقوى الأصولية على المجتمع الإسرائيلي، وأن إسرائيل ذاتها تبرر نفسها بالأساطير الدينية التوراتية.

وبحسب منطق نتانياهو فإن إسرائيل هذه يحق لها ما لا يحق لغيرها، من الاستهتار بالمواثيق والقرارات الدولية، وتجاوز القيم، واحتكار التسلح النووي، والاحتلال والاستيطان، واستخدام القوة للسيطرة على شعب اخر، والإمعان فيه تشريدا وتقتيلا وتدميرا؛ دون أن يفرض عليها الخضوع لمساءلة قانونية أو أخلاقية.

ويبدو أن هذا المنطق الاستعلائي العنصري، لدى نتانياهو (وغيره من قادة إسرائيل) يستبطن فكرة مفادها أن إسرائيل اليهودية والديمقراطية والتي تنتمي للحضارة الغربية، بوسعها ممارسة القتل والتدمير والاحتلال، بدعوى أنها تدافع عن نفسها، وبدعوى أنها بمثابة رسولة للحضارة والحرية والديمقراطية، في هذه المنطقة، أما الآخرون (الأغيار) فلا يحق لهم الدفاع عن أنفسهم ولا حتى احتلال مكانة الضحية، التي تنازعهم عليها!

وفي ذلك فإن إسرائيل تستعير رسالة «الرجل الأبيض»، الذي غزا القارة الأميركية، واستوطنها، ومحا الهنود الحمر من المشهد الأميركي، وهي ذات الرسالة التي طرحتها الدول الاستعمارية السابقة، للسيطرة على شعوب أسيا وأفريقيا بالقوة العسكرية الطاغية، أي بالدبابات والمدافع، ونهب ثرواتها. وبذلك فإن نتانياهو لا يأتي بجديد، فهو مجرد يستحضر خطابات استعمارية غربية قديمة؛ أو ليست إسرائيل أخر ظاهرة استعمارية في العالم؟

تأنيب المجتمع الدولي

اللافت أن نتانياهو الذي تتعرض دولته لانتقادات دولية في هذه المرحلة، لمتاجرتها بالأعضاء البشرية للفلسطينيين واستخدامها الأسلحة المحظورة ضدهم وإصرارها على مواصلة الأنشطة الاستيطانية في أرضهم، تجرأ على الأمم المتحدة، وشنّ عليها وعلى الدول الأعضاء فيها، هجوما حادا، كون هذه الهيئة لطالما وضعت إسرائيل في قفص الاتهام، وشككت بشرعيتها القانونية والأخلاقية، بسبب مصادرتها حقوق الشعب الفلسطيني واحتلالها أراضي عربية واستخدامها أسلحة محظورة دوليا.

وعند نتانياهو ومن هم على شاكلته فإن إسرائيل هي بمثابة دولة استثناء، بين الدول، وفوق القانون، وأنها قيمة أخلاقية عليا بحد ذاتها، باعتبارها تستمد شرعيتها من «وعد رباني»، لذا لا حق لأحد بمساءلتها، أو بطرح الشبهات حول السياسات التي تنتهجها! «لسنا غزاة»..«لسنا طارئين على هذه البلاد»، هكذا قال نتانياهو بصيغة تأنيبية وتعليمية لممثلي الدول الأعضاء، المشاركين في الجمعية العمومية!

أيضا، لم يوفر نتانياهو التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة (لجنة غولدستون)، والذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب خلال هجومها في الخريف الماضي على غزة. واصفا إياه بأنه «انحراف للعدالة»، والأنكى أنه اعتبره معيقا للسلام مع الفلسطينيين.. وأن نتائجه «زائفة ومضحكة.. ولا تبشر بشيء طيب بالنسبة لقدرة الأمم المتحدة على المساعدة في إقناع إيران بوقف تخصيب اليورانيوم... وبدلاً من إدانة الإرهابيين ورعاتهم الإيرانيين فإن البعض هنا في الأمم المتحدة أدانوا ضحاياهم»!

بقول اخر، فقد فات نتانياهو، في خطابه، الذي يعتبر فيه إسرائيل «ضحية»، بأنه يتحدث باسم دولة عاصية للقرارات الدولية، وأنها تأسست، بوسائل القوة العسكرية، على اغتصاب ارض الشعب الفلسطيني، وأنها عملت على محوه من الخارطة السياسية.

فوق ذلك فإن نتانياهو تجاهل، وهو في غمرة غطرسته، انه يتحدث، أصلا، باسم دولة تعرف في المجتمع الدولي بكونها تحتل أراضي الآخرين، وتسيطر على شعب اخر بوسائل القوة والقهر والحصار والتجويع.

في الخلاصة فإن نتانياهو حاول في خطابه المذكور تقديم كشف حساب، بمفعول رجعي للأمم المتحدة ولدول العالم، وللعرب والفلسطينيين، متخذا في ذلك إستراتيجية هجومية، بدلا من البقاء في حيز الدفاع (عن الاحتلال والاستيطان والممارسات الوحشية ضد الفلسطينيين). وفي سبيل ذلك فقد تفنّن نتانياهو بتزوير الحقائق، مستخفا بعقول الآخرين وذاكرتهم، كما في التعالي عليهم.

إنكار الفلسطينيين

كما قدمنا فإن خطاب نتانياهو هو نموذج للخطابات التي تستحضر المفاهيم التقليدية للمشروع الصهيوني، وهذا هو معنى تركيزه في خطابه على لازمة: «نحن لسنا غزاة..نحن لسنا طارئين على البلاد..هذه أرض الآباء والأجداد». ومعلوم أن الصهيونية عملت على صعيد الثقافة والممارسة السياسيين على إزاحة الفلسطينيين والحلول مكانهم، في الزمان والمكان، بل وحاولت إزاحتهم حتى من مكانة الضحية، للحلول مكانهم، وإحلالهم بمكانة المعتدي!

ومن وجهة نظر نتانياهو (والصهيونية عموما) فليس ثمة في قيام إسرائيل اغتصاب لحقوق الفلسطينيين، ولا احتلال لأرضهم، لأن هؤلاء، بكل بساطة، غير موجودين، وإنما جرى اصطناعهم! وبديهي فإن الخطابات الصهيونية التي تنفي وجود الشعب الفلسطيني، أو تعتبره فائضا على الحاجة، وطارئا على الزمان والمكان، بديهي أن تنفي أية حقوق مستحقة لهذا الشعب، وأن تنكر مأساته ونكبته، لأن إنكار الضحية أو تغييبها يفيد بتغييب الجاني أو المجرم.

هكذا، جزم نتانياهو في خطابه: «على الفلسطينيين أن يقولوا نعم لما رفضوه منذ 60 عاماً..قولوا نعم لإسرائيل دولة للشعب اليهودي..نحن لسنا غزاة أجانب، أجدادنا سكنوا هذه الأرض«؛ مدعيا بأن موافقة إسرائيل على قيام دولة منزوعة السلاح للفلسطينيين هو بمثابة كرم أخلاق من إسرائيل، التي رضيت بتقاسم أرضها معهم!

الأنكى أن نتانياهو في خطابه حمّل الفلسطينيين مسؤولية ما حل بهم من ويلات ومصائب على يد إسرائيل، لمجرد مقاومتهم الاحتلال، مبررا في ذلك حتى استخدام الأسلحة الفتاكة ضد المدنيين الآمنين، بدعوى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

يقول نتانياهو: «حركة حماس أطلقت خلال السنوات الثماني الأخيرة صواريخ باتجاه أراضي إسرائيل إلا أن «هذه الهجمات لم تلاق التنديد العالمي المناسب..ولذلك اضطرت إسرائيل للرد على هذه الهجمات المتكررة على مواطنيها العزل مع التقيد بالقيم الأخلاقية».

إضاءة

إسرائيل التي اضطرت للاعتراف بالفلسطينيين، بعد طول إنكار، بنتيجة صمودهم في أرضهم ومقاومتهم للاحتلال، حاولت إخراجهم من إنسانيتهم، واعتبارهم غير مؤهلين للتعامل معهم كبشر.

وفي هكذا منطق باتت إسرائيل تقدم نفسها على اعتبارها ضحية للفلسطينيين، الذين ينبغي عليهم القبول بالاحتلال، والرضوخ لواقع الإنكار والغياب، وبالتالي الاختفاء من الزمان والمكان الفلسطينيين؛ وإن ظهروا فعليهم الامتنان لإسرائيل الصهيونية التي أتاحت لهم «نعمة» الحضور.

ماجد كيالي