في مثل هذا اليوم وقّع الرئيس الأميركي الراحل هاري ترومان ما سمي بميثاق الأمن المتبادل. معلنا للعالم والقوى الشيوعية بصفة خاصة أن الولايات المتحدة على استعداد لتقديم مساعدات عسكرية لما أسماها الشعوب الحرة.

الميثاق جاء ردا على قيام الاتحاد السوفيتي الذي كانت قوته العسكرية في تصاعد مستمر، باجراء ثاني تجربة على الأسلحة النووية في الثالث من اكتوبر، أي تم اعلان الميثاق بعد أسبوع من تجربة السلاح السوفيتي.

هذا الميثاق ما هو إلا النسخة العسكرية لخطة مارشال الشهيرة، وهو المشروع الاقتصادي الذي استهدف إعادة بناء وتعميرأوروبا التي دمرت الحرب العالمية الثانية مدنها وعواصمها. وكان المشروع قد وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي أثناء الحرب ووزير الخارجية منذ يناير 1947 .

تبنى المشروع وأعلنه بنفسه في 5 يونيو 1947 في خطاب امام جامعة هارفارد. ومن أجل تنفيذ المشروع، تأسست «منظمة التعاون والاقتصادي الاوروبي للاشراف على إنفاق 13 مليار دولار خصصت للمشروع في إعادة اعمار وتشغيل الاقتصاد

والمصانع الاوروبية.

والبعض فسر خطة مارشال لإعادة بناء رأس المال في أوروبا بأن الهدف الحقيقي من ورائها هو التصدي للمد الشيوعي والثوري الذي بدأت ملامحه في غرب أوروبا وبالتحديد في ايطاليا وفرنسا.. وهو التفسير السوفيتي المعلن عن خطة مارشال.

ورغم أن الخطة شملت الاتحاد السوفيتي أيضا، إلا أن الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين عارضها ورفض كافة المساعدات الآميركية لبلاده. كان الاتحاد السوفيتي يرى في مشروع مارشال، هدفاً أميركياً لتعزيز قوة أوروبا أمام النفوذ السوفيتي في القارة. ولذلك اتجهت موسكو إلى تكوين «الكومنفورم» في 5 أكتوبر 1947، وهو تكتل ضم جميع الأحزاب الشيوعية في شرق القارة.

وبه صارت أوروبا عمليا كتلتين شرقية وغربية، متصارعتين ايدولوجيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا. عموما، فان الأميركيين كشفوا صراحة عن اصرارهم على مطاردة الشيوعية اينما كانت عندما أتوا بالنسخة العسكرية من خطة مارشال، ألا وهي ميثاق الأمن المتبادل. فقد كانت الخطة في حاجة إلى دعم عسكري لتؤتي ثمارها. كانت أوروبا في حاجة إلى الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية..

خاصة وأن القوة العسكرية السوفيتية كانت تزداد تضخماً، مما أثار الذعر في غرب القارة الأوروبية. ميثاق الأمن المتبادل الذي يستهدف تعزيز النفوذ الأميركي في العالم، وافق عليه الكونغرس بعد مناقشات حامية. بمقتضاه، تمنح الولايات المتحدة الدول الصديقة، مساعدات عسكرية واقتصادية وفنية. ولايقتصر الأمر على أوروبا الغربية، بل الشرق الأوسط، وأفريقيا وآسيا تحت ذريعة المحافظة على السلم الدولي وزيادة فاعلية السياسة الأميركية في تلك المناطق.

وأعلن الأميركيون صراحة أن الميثاق أو الاتفاق يستهدف «تقوية الأمن المشترك، والدفاع الفردي والجماعي، للعالم الحر. وتنمية موارد الدول، بما يمكنها من الاستقلال، واستقرار أمنها، وتحقيق الأهداف الوطنية الأميركية، وتسهيل انضمام الدول لعضوية الأمم المتحدة، لتقوية الأمن الجماعي».

هذا الميثاق .. ينسجم مع ماكان معروفا بمبدأ ترومان الذي ظهر في 12 مارس 1947 عندما أبلغ الرئيس هاري ترومان الكونغرس، بأنه «يجب على الولايات المتحدة اتباع سياسة مساعدة الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات إخضاعها من خلال العمل العسكري، أو من خلال الضغط الخارجي».

وقتها، اعتمد الكونغرس 400 مليون دولار لمساعدة اليونان وتركيا في يونيو 1948 لمواجهة مارأه الأميركيون تهديدا سوفيتيا على هذين البلدين.

المثير أن هذه الانجازات التي عززت من نفوذ الولايات المتحدة في أوروبا والعالم والتي أشعلت نيران الحرب الباردة، تمت على يد رئيس أميركي، كان الأميركيون ينظرون اليه يوم ولايته خلفا للرئيس الراحل فرانكلين روزفلت في 12 ابريل عام 1945 بأنه شخصية سياسية ضعيفة وعديمة الخبرة بالشؤون الدولية.

لم يكن قد توفرت له الفرصة للتعرف على قادة كبار مثل تشرتشل وستالين. وعندما كان نائباً للرئيس روزفلت لم يرتبط بعلاقة عمل مع وزير خارجية بلاده، كما لم يكن لترومان مساعدون من الخبراء لمواجهة نقص خبرته.

وعرف عن روزفلت، أنه لم يشرك نائبه ترومان في التخطيط وفي اتخاذ القرارات المهمة. وقيل أن ترومان اشتكى لابنته مارجريت من الاسلوب الذي كان يعامله به روزفلت.