عانت العلاقات العربية خلال السنوات الأخيرة من حالات توتر وتشنج، وضعت التضامن العربي المنشود في ثلاجة النسيان والإهمال، ربما في أحسن الأحوال، بل جعلته يبدو بعيد المنال، وأحيانا شبه مستحيل!
الأسباب، في الغالب، تبقى غير واضحة للكثيرين، ما يدفع البعض لتكهنات وافتراضات لا تستند إلى واقع ملموس يمكن الوقوف عنده والتأكد منه.. بين دوافع شخصية أحيانا وأخرى كيدية في أحيان أخرى.
بالطبع ليست المشكلة في وجود تباين بين الدول العربية في الرؤى والمصالح الظرفية، فلكل دولة خصوصياتها وأولوياتها في ما يتعلق بشؤونها الداخلية، ومن حقها أن ترعى هذه المصالح وتحتفظ بتلك الخصوصيات، ومن واجب أشقائها تجاهها أن يعترفوا بذلك ويراعوه.
لكن ماذا عن المصالح المشتركة بين كل الدول العربية؟ وكيف لها أن تواجه مجتمعة كل التحديات الكبرى التي تهددها على المديات كافة دون أن تحقق حدا أدنى، على الأقل، من التوافق والتضامن؟
ثم لماذا لا تستفيد الدول العربية من تجارب التكتلات والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى كالاتحاد الأوروبي والآسيان وغيرهما؟
قمة الكويت الاقتصادية العربية (يناير الماضي)، مثلت نقطة تحول عربي بارزة في الفهم والتعاطي مع الواقع الدولي المستجد والمتغير باستمرار، وفتحت بابا جديدا لـ «عودة الروح» إلى العلاقات العربية، نحو تضامن عربي أكثر نضجا وواقعية.
وكان لموقف العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز وخطابه المؤثر، دور كبير في هذا التحول الجديد نحو المصارحة والتسامح ووضع النقاط على حروفها المناسبة، سبيلا لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.
واليوم تأتي زيارة الملك عبدالله إلى دمشق لتتوج جهودا حثيثة استمرت عدة أشهر، كانت الرياض محورها الأساس، لتنقية الأجواء السياسية العربية التي كادت تعصف بها أعاصير فتن متعددة الأشكال والألوان، منشؤها الأساسي أجنبي خارجي.
وبهذه الزيارة يكون مثلث التضامن العربي (القاهرة ـ دمشق ـ الرياض) قد بدأ يستعيد دوره ومكانته المحورية في العمل العربي المشترك، مما سينعكس حتما على مجمل العلاقات العربية ـ العربية، ويفتح باب الأمل بولادة عهد عربي جديد من التضامن والتكامل، لا سبيل سواه لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة والمتعاظمة، والتي لا يمكن لأي بلد، عربي أو غير عربي، أن يواجهها منفردا.
لقد أصبح التضامن العربي شرطا ضروريا لمصلحة كل قطر، كما هو للمصالح العربية العامة، ولا شك أن قمة دمشق السعودية السورية ستكون جسرا لعودة تضامن عربي أعمق، نرجو أن يكتمل قريبا ليشمل كل العواصم العربية.
