أخيراً جاءت حقنة الإنعاش، للاتحاد الأوروبي، من ايرلندا. الموافقة، بالاستفتاء الذي أجراه هذا البلد، على اتفاقية لشبونة ـ التي حلّت مكان الدستور الأوروبي ـ انتشل وحدة القارة من التعثر؛ ليضعها على سكة الولادة القريبة للكيان القطبي الجديد. وكانت هذه المسيرة قد تعثرت ودخلت في المنطقة الرمادية، عندما رفضت فرنسا ثم هولندا، مشروع دستور الاتحاد؛ عام 2005.

رفض كشف، يومذاك، عن شكوك وعلامات استفهام تحوم، حول مقبولية المولود الموعود.

توجّس الأوروبيون من احتمال طغيان الاتحاد ومؤسساته، على خصوصياتهم وشؤونهم السيادية. انعكس ذلك، أيضاً، في استفتاء ايرلندا نفسها في يونيو 2008؛ الذي رفض هذه الاتفاقية. ثم عاد الفتور، تجاه المشروع القاري، ليظهر مرة أخرى في انتخابات البرلمان الأوروبي، الربيع الفائت. المشاركة الضعيفة فيها، عكست ضمور الحماس له.

ثم صعود الأحزاب والقوى الوطنية الشوفينية، بل الفاشية ـ في دول مثل هولندا والنمسا ـ كان له مدلولاته السلبية؛ بالرغم من أن فوزه لم يكن كاسحاً. بصمات اليمين الانعزالي على تلك الانتخابات؛ زادت من القلق على مصير الاتحاد.

حينذاك لم يتردّد مسؤولون أوروبيون في القول إن الاتحاد تحت الاختبار. بدا وكأن أوروبا تعيد النظر في تجربة، أبصرت بواكيرها النور في باريس، باتفاقية الفحم والحديد عام 1952. بل بدا وكأن الحديث عن مخاض لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب؛ أخذ يفقد بريقه، مع الانكفاء والتعثر المتزايدين، للمشروع الأوروبي.لكن استفتاء ايرلندا، أعاد الأمور إلى نصابها.

أنقذ ليشبونة،كما أنقذ عملية مأسة الاتحاد ـ لم يبق غير بولندا المضمون تأييدها وجمهورية التشيك التي تنظر محكمتها العليا بالأمر ـ ومع موافقة هذين البلدين المرتقبة، تكتمل الهيئات الأساسية، بحيث يصبح للكيان الجديد رئيسه ووزير خارجيته؛ بالإضافة إلى برلمانه؛ ليدخل بهذه الصيغة، إلى حيّز الوجود مع أول يناير من العام المقبل.

مع وصول «أوربة» القارة إلى هذه المحطة من صيرورتها، يكون مخاض ولادة القطب الأوروبي قد تجاوز نقطة اللا عودة. بعد 57 سنة من البناء المؤسسي المتأني، لن يعود من السهل انفراط العقد. التجارب والمطبات التي تخطتها وتغلّبت عليها هذه المسيرة؛ تضمن ولادة سليمة.

يبقى التحدّي في قدرة الكيان المرتقب على تجسيد الطموح، الذي تحدث عنه أكثر من زعيم أوروبي سابق ـ شيراك مثلا ـ في كسر احتكار القطبية الوحيدة، حتى الآن؛ وبناء نظام البديل الدولي المتوازن.

vic_shal@hotmail.com