ما كشفه «برنامج الغذاء العالمي» في ندائه الأخير؛ عن عدد الجياع في العالم والحاجة العاجلة للمساعدة، معيب ومخيف. الرقم فلكي ومحاولات النجدة بالكاد ملحوظة. في أحسن أحوالها، لا تلبّي سوى الجزء اليسير من المطلوب. وكأن انتشار الجوع صار معطى مسلّما به.
أو كأن العالم، بخاصة دوله الكبرى، لم يعد يبالي. وإذا كانت المسألة أخلاقية إنسانية بالأساس؛ إلاّ أن لها جوانب أخرى ضاغطة لا تقل أهمية، صحيّة واقتصادية وبيئية؛ فضلاً عن جانبها الأمني الحسّاس والخطير. فما صدر عن «برنامج الغذاء» ليس مجرد نداء فحسب. بل هو أيضاً إنذار، لا يحتمل التجاهل.
أكثر ما يقلق في التقرير أن عدد الجياع في العالم، تجاوز ولأول مرة المليار إنسان. رقم بحد ذاته، صادم. لاسيما وانه مفتوح على زيادة، إذا ما بقيت وتيرة السنوات الأخيرة على حالها.
إهمال الموضوع، مع تفاقم أسعار الغذاء وتعرّض مناطق واسعة للجفاف، ثم حصول الانهيار المالي العالمي؛ دفع بهذه المشكلة إلى حدود الأزمة الإنسانية. وربما المستعصية. ذلك أن «البرنامج» حصل على «أقل من نصف المبلغ الذي حدّده لعملياته خلال العام الجاري». الجوع يتمدّد والمساعدات تتقلّص.
والآن هو بحاجة إلى «3 مليارات دولار إضافية». وما يزيد من حدّة الحاجة أن «المزيد من الأطفال يعانون ويموتون من الجوع»، حسب ما قالت مديرة البرنامج. كان طموح هذا الأخير، «تقليص عدد الجياع إلى النصف».
وإذا به يرتفع ويكسر حواجز غير مسبوقة. وزاد الطين بلّة، أن الموارد تراجعت. ففيما كانت هذه الهيئة تقدّم الإعانة إلى «حوالي 11% من المحتاجين، هبطت النسبة هذا العام إلى 8%». تصاعد العجز مع توسّع دائرة المجاعة، في آن؛ دفع إلى توجيه هذا النداء، عشية افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة وقبل أيام من قمة العشرين.
الغاية كانت حمل الدول على إعطاء تعهدات بتقديم مساعدات، تفي بالمطلوب. لكن القمة اقتصر اهتمامها على شؤون وشجون الأزمة المالية.
الدول الكبرى مشغولة بلملمة ذيول أزمتها. خصّصت مئات المليارات لتعويم مؤسساتها الفاسدة وإنقاذها من الانهيار. عالم تبلغ موازناته العسكرية حوالي تريليون دولار ـ نصفه تنفقه أميركا ـ وتبلغ مبيعات سوق سلاحه أكثر من 55 مليار دولار، يقف شبه متفرج على استشراء المجاعة. واجب يتهرب منه وقنبلة موقوتة يتعامى عن مخاطرها الكارثية.
