مازالت إسرائيل تعيش بنوع من عدم اليقين إزاء وجودها، ومستقبلها، في هذه المنطقة، على رغم تفوقها في مجالات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وعلى رغم ضمانة الولايات المتحدة والدول الكبرى لوجودها وتفوقها.

ودليل عدم اليقين هذا تلك التصريحات التي تضمنها خطاب نتانياهو، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تحدث فيها عن مطالبته الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، والقبول بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، ومن دون العودة لحدود الرابع من يونيو (1967)، بدعوى تمكين إسرائيل من حدود يمكن الدفاع عنها!

وعلى ما في هذه التصريحات من غطرسة يبدو نتانياهو، أيضا، غير مطمئن لقوة دولته وللضمانات التي تتمتع بها، كونه يطالب الشعب الذي يخضع لاحتلاله وسيطرته بالاعتراف بهذه الدولة وتوفير الأمن لها!

وفي خطابه المذكور تحدث نتانياهو عن فلسطين باعتبارها «أرض الميعاد»، خاصة «بني إسرائيل»، وبأن اليهود غير طارئين على هذه الأرض، وأنه يقبل بحل الدولتين، كمنّة من إسرائيل، معتبرا الفلسطينيين وكأنهم طارئين على الزمان والمكان الفلسطينيين.

وبغض النظر عما في هذا الكلام من تزوير لحقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، وخداع للعقول، فإنه إنما يعكس حال التوتر التي يعيشها العقل السياسي في إسرائيل، فهي برغم قوتها وجبروتها والدعم الدولي الذي تلقاه، مازالت غير قادرة على تغييب الشعب الفلسطيني، ولا إخضاعه، ومازالت تجد نفسها نبتة غريبة وشاذة ومرفوضة في هذه المنطقة.

أيضا، يمكن ملاحظة حال القلق وعدم اليقين إزاء الحاضر والمستقبل في مجموعة من التحليلات التي نشرت في الصحافة الإسرائيلية، بمناسبة حلول رأس السنة العبرية، في الأيام الماضية. فإسرائيل في هذه التحليلات قوية وضعيفة، منيعة وهشة، صلبة ورخوة، مصونة ومهددة، في الوقت ذاته.

ويناقش ايزي ليبلر هذا الوضع على النحو التالي: «جيراننا العرب أظهروا مرة أخرى تصميمهم على العمل على إنهاء وجود سيادة يهودية في المنطقة؛ التهديد النووي الإيراني يبعث مخاوف شديدة؛ التوترات مع إدارة اوباما لم تتبدد بعد؛ اللا سامية في العالم بلغت الذروة؛ حملة التشويه ونزع الشرعية عن إسرائيل في الأمم المتحدة تنال الزخم؛ للأزمة الاقتصادية لايزال تأثير هدام، لاسيما على الأجزاء الأضعف في المجتمع الإسرائيلي..

رأس السنة هو زمن حساب النفس لنا كشعب..رغم كل المشاكل التي نقف أمامها، فإننا لا نزال الجيل الأكثر مباركة لليهود منذ 2000 سنة من النفي والاضطهاد، ودولة إسرائيل هي قصة النجاح الأكبر للقرن». («إسرائيل اليوم»، 917)

وبحسب افتتاحية صحيفة «هآرتس»، فإن «إسرائيل تدخل موسم الأعياد..مكشوفة الرأس أو غاضبة..أكثر عزلة من أي وقت مضى على المستوى الدولي..إسرائيل تراجعت كثيرا إلى الوراء، مكروهة، مريرة، عنيفة..ومواساتها الغريبة الوحيدة هي أن كل هذا ليس بذنبنا بل نتيجة اللاسامية العالمية.

من هذه الناحية فان تقرير لجنة غولدستون عن حملة «رصاص مصهور» والذي يتهم إسرائيل بجرائم حرب بل وحتى بـ «جرائم ضد الإنسانية»، جاء في أسوأ توقيت ممكن..فبحدته غير المسبوقة يبث ريح إسناد شديدة ليس فقط في ظهر كارهي إسرائيل وأعدائها، بل وأيضا في ظهر المفهوم المتشائم، العدمي والانطوائي الذي يحرك حكومة إسرائيل الحالية». («هآرتس»، 918)

وبالطبع وإلى جانب وجهات النظر المتناقضة، أو المترددة والقلقة، ثمة وجهات نظر متفائلة جدا من وضع إسرائيل، التي استطاعت البقاء والتطور برغم كل المشاكل الداخلية والخارجية، وبرغم كل العداء المحيط بها. في هذا الإطار، مثلا، عقد بن درور يميني نوعا من مقارنة بين وضع إسرائيل وغيرها من الدول، حيث «التمعن في صحف إسرائيل خلال السنة الأخيرة، مثل السنوات السابقة، يظهر إننا الدولة الأكثر فسادا في العالم والأكثر إجرامية وعنصرية وعنفا».

ورده على ذلك أنه «رغم كل الحروب والإجرام والعنف وحوادث الطرق..إسرائيل هي إحدى الدول التي يعتبر المدى العمري فيها الأعلى في العالم. 79 سنة. إسرائيل على مستوى فرنسا واليابان وايرلندا..ومع جهاز صحي يشمل كل السكان تصل إسرائيل إلى قمة المسيرة العالمية».

بالنسبة لاتهام إسرائيل بأنها تنفذ بصورة متواصلة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. يرد بالقول: «قوات حلف الأطلسي قتلت عددا من المدنيين يفوق عدد الجنود في عملية القصف في يوغسلافيا قبل عشر سنوات. قوات الناتو تقتل عددا اكبر من المدنيين في الصراع ضد طالبان بالمقارنة مع ما تفعله إسرائيل في صراعها ضد حماس.. حماس.

كما يجب أن نذكّر، تهدّد إسرائيل بدرجة أكبر من تهديد طالبان لأوروبا ورغم ذلك وجهت عشرة انتقادات للعالم تسعة منها خصصت لإسرائيل. مع ذلك فإن بن درور يعترف بواقع أن «إسرائيل تتميّز بسلسلة مشاكل غير بسيطة. فهل سنتحول إلى دولة ثنائية القومية؟ هل ستكون هنا أغلبية مناهضة للصهيونية بعد عقد أو اثنين من الزمان؟ ربما».

في الختام يعبر بن درور عن إعجابه بما استطاعته إسرائيل، وينهي مقاله قائلا: «مع رأس السنة يجدر أن نعرف ونتذكر أن انجازات إسرائيل وإسهامها في العلوم العالمية والتكنولوجيا الراقية وتحلية مياه البحر والأدوية المتطورة والزراعة العالمية والتنمية البشرية.

حيث هي في المستويات الأعلى في العالم على ما يبدو بالتأكيد بالمقارنة مع حجمها.. يجدر بنا أن نذكر ذلك حتى نواصل التحسين والتطوير والتقويم، وهناك ما يمكن إصلاحه ألا وهو المشروع الهائل الذي أقيم هنا». (معاريف 18/9)

إضاءة

يمكن ملاحظة حال القلق وعدم اليقين إزاء الحاضر والمستقبل في مجموعة من التحليلات التي نشرت في الصحافة الإسرائيلية، بمناسبة حلول رأس السنة العبرية، في الأيام الماضية. فإسرائيل في هذه التحليلات قوية وضعيفة، منيعة وهشة، صلبة ورخوة، مصونة ومهددة، في الوقت ذاته. ويناقش ايزي ليبلر هذا الوضع على النحو التالي: «جيراننا العرب أظهروا مرة أخرى تصميمهم على العمل على إنهاء وجود سيادة يهودية في المنطقة.