يبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، برئاسة بنيامين نتانياهو، مازالت مصرة على تجاهل مساعي الإدارة الأميركية بشأن تسهيل استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، من مدخل تجميد الاستيطان، حتى ولو لفترة مؤقتة، وأن هذه الحكومة لا تبدو معنية تماما بتعزيز أو تسهيل السياسة الأميركية الرامية لمعالجة أزمات المنطقة، المتمحورة حول الخروج بشكل لائق من العراق ولجم نفوذ إيران في منطقة الشرق الأوسط، ومحاربة التطرف والإرهاب، من مدخل حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ويحاول بنيامين نتانياهو تدعيم مواقفه هذه بهشاشة ائتلافه الحكومي، مدعيا أن توجيه الضغط عليه بمسألة المستوطنات، يمكن أن يؤدي إلى فرط الحكومة الحالية، بخروج القوى اليمينية المتشددة منها، وبالتالي دفع إسرائيل نحو التوجه لانتخابات مبكرة للكنيست؛ وهو ادعاء مراوغ يطمس واقع الاحتلال، ويضع استقرار الحكومة الإسرائيلية بمكانة أهم من مصير الشعب الفلسطيني.

أيضا فإن هكذا ادعاء هو بمثابة وصفة للتهرب من استحقاقات عملية التسوية مع الفلسطينيين، فثمة إمكانية لنتانياهو، مثلا، لإقامة ائتلاف بديل يضم إلى جانب حزبه الليكود كلا من حزبي العمل وكاديما.

تملصات وتهربات

وفي حقيقة الأمر فإن التملصات والتهربات الإسرائيلية من عملية التسوية ليس لها علاقة بنوع الائتلاف الحكومي في إسرائيل، ولا بعمليات المقاومة الفلسطينية، ولا بالاستقرار أو عدمه في المحيط الإقليمي.

فقد شهدت إسرائيل، خلال الأعوام الستة عشر الماضية، من عمر مسيرة المفاوضات، حكومات تشكلت أساسا برئاسة قادة من حزبي العمل أو كاديما، ولكنها لم تحسم أمرها بشأن التسوية، بل إنها استمرت بتعطيل هذه العملية بالأنشطة الاستيطانية وغيرها. وذات الأمر ينطبق على التذرّع الإسرائيلي بشنّ الفلسطينيين لعمليات مقاومة مسلحة ضد الإسرائيليين، ففي فترة حكومة نتانياهو الأولى (19961999) لم يكن ثمة عمليات مقاومة، وكذا في الفترة الأولى من حكومة باراك (19992001)، ثم إن عمليات المقاومة المسلحة هذه تراجعت كثيرا منذ العام 2005 حتى اختفت.

بحيث أن العام 2008 لم يشهد مقتل ولو إسرائيلي واحد، في حين قتلت إسرائيل مئات من الفلسطينيين. ومعلوم أن السلطة استجابت للمطلوب منها في خطة «خريطة الطريق»، بتوفير الأمن ووقف العمل المسلح والتحريض ضد إسرائيل، في حين أن هذه ترفض تنفيذ المطلوب منها وفق هذه الخطة بدءا من وقف الاستيطان.

أيضا كان على الدوام ثمة بيئة إقليمية مواتية للتسوية مع وجود الولايات المتحدة في المنطقة وضمانها امن إسرائيل، ومع قبول الدول العربية منذ قمة بيروت (2002) بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في حال قامت هذه بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، واستجابت للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومع ذلك فإن إسرائيل لم تتجاوب مع هذه البيئة وتعاملت بشكل سلبي مع المبادرة العربية للسلام.

أبعاد الموقف الإسرائيلي

على ذلك يمكن تفسير التملصات الإسرائيلية في عملية التسوية، بمسائل أخرى ضمنها:

أولا ـ أن إسرائيل لا تعرّف وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة على انه وجود احتلالي، فهي تنظر إلى هذه الأراضي باعتبارها جزءا من «أرض إسرائيل» الخاصة بها، وترى أن ثمة حقا لها في الاستيطان بكامل هذه الأرض.

ثانيا ـ إن إسرائيل تسعى لحشر الفلسطينيين في زاوية ضيقة بحيث يتم قضم مطالبهم، إلى مستوى إقامة دولة لهم في أقل جزء من الأراضي، وبأقل قدر من السيادة، وفي نطاق من السيطرة الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية.

ثالثا ـ تحاول إسرائيل عقد نوع من مقايضة مع الفلسطينيين، تتيح لهم عبرها إقامة دولة لهم (بأقل حدود جغرافية وسيادية ممكنة)، مقابل قيامهم بالتنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، أو بالموافقة على حل قضية هؤلاء اللاجئين بدون أي صلة بإسرائيل، أي عبر التوطين في بلد ثالث أو عبر منحهم مواطنة الدولة الفلسطينية المفترضة، مع توطين بعضهم فيها (في الضفة).

رابعا ـ تتوخّى إسرائيل من خلال تصليب مواقفها التفاوضية مع الفلسطينيين انتزاع أكبر قدر من المكاسب من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، على شكل ضمانات وعلاقات استراتيجية، سياسية وأمنية؛ وضمن ذلك الاستجابة لطلبها بالتعامل بحزم مع إيران، ووضع هذه المسألة على أعلى سلم أولويات الدول الكبرى.

خامسا ـ لا ترى إسرائيل في الوضع العربي السائد، على ضعفه وتشتته ما يجبرها على تقديم تنازلات للفلسطينيين، كذلك فإن الضغط الدولي على إسرائيل، لم يصل إلى هذا الحد، لاسيما أن الإدارة الأميركية لم تبد بعد أي شكل من أشكال الضغط العملي عليها.

نتانياهو وشروطه

وفي حقيقة الأمر فإن استراتيجية إسرائيل، في عملية التسوية، تتأسس على مجرد استمرار هذه العملية، وجعلها ضرورة في حد ذاتها، وليس التوصل إلى التسوية لذاتها، مستندة في ذلك إلى قدرتها على السيطرة وتقطيع الوقت وفرض الوقائع على الأرض، ما يسمح لها بقضم مطالب الفلسطينيين، وتحجيمها إلى أقل قدر ممكن.

في هذا الإطار يمكن العودة إلى نتانياهو ذاته، فهو أكثر قدرة على شرح هذه الاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية.

ومثلا، فهذا نتانياهو يقول في تصريح له:

«لم أطرح يوما شرطاً مسبقا لإجراء محادثات مع الفلسطينيين ولا مع أي كان. لكنني اطرح شروطاً واضحة جدا في شأن نتائج المفاوضات. ثمة عنصران لا بد منهما من اجل أن تكلل هذه المفاوضات بالنجاح وهما الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية والأمن.. هذا هو الاختبار للفلسطينيين. وواجب الإثبات ملقيً عليهم(!)..في حياتي لم أقتلع يهودياً واحداً في أي مكان كان.

لن أدير ظهري للمستوطنين ولن أتخلى عنهم..». («إسرائيل اليوم»،916) هكذا فإن نتانياهو الذي لا يضع شروطا على المفاوضات يطرح دفعة واحدة مجموعة من الشروط على النتيجة المتوخّاة من هذه المفاوضات، هي كناية عن املاءات سياسية على الفلسطينيين تضيّع حقوقهم الوطنية، ما يصادر سلفا مجمل العملية التفاوضية ويجعلها بلا معنى أو جدوى بالنسبة للفلسطينيين.

هكذا فإن إسرائيل تعمل بدأب بالغ على طريقين متوازيين، أولهما، يتمثل بالقيام بكل ما من شأنه تحجيم طموحات الفلسطينيين الوطنية (عبر الزمن، وفرض الوقائع وإحكام السيطرة عليهم) إلى مجرد دولة في أقل قدر من الأراضي في الضفة والقطاع، وثانيهما، العمل على توطيد وضعها كدولة يهودية قوية وآمنة في المنطقة، مع عدم الظهور بمظهر الدولة الاستعمارية، التي تتحكم بثلاثة ملايين فلسطيني، وقطع مسار تحولها إلى دولة ثنائية القومية. وقد اضطر نتانياهو ذاته للاعتراف بهذه الحقيقة.

وبهذا الوضع المعقد والإشكالي، الذي تجد إسرائيل نفسها في مواجهته، بقوله: «لقد باتت البلاد (فلسطين التاريخية) مقسمة عملياً، والسؤال الآن هو كيف سيتم تقسيمها جغرافياً بيننا (بين إسرائيل والدولة الفلسطينية )..إسرائيل لا تريد السيطرة على الفلسطينيين (في الضفة).. واضح أنه في إطار التسوية الدائمة عليهم أن يحكموا أنفسهم لكن من دون صلاحيات يمكن أن تهدد إسرائيل». (صحف 17/9)

فرض الوقائع

ولمزيد من توضيح الاستراتيجية الإسرائيلية التفاوضية يمكن الاستناد إلى ما ذكره المحلل الإسرائيلي بن كسبيت، الذي سأل نتانياهو عما إذا كانت إسرائيل مستعدة للانسحاب إلى الخط الأخضر، في حال وافق أبو مازن «على الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وتخلى عن حق العودة، وأعلن نهاية النزاع معها».

وقد أجاب نتانياهو على هذا السؤال قائلا: «فليضعني قيد الاختبار» لكن كسبيت يذكر أن نتانياهو «وعلى الفور صحا (قائلا) فضلا عن ذلك لماذا العودة إلى خطوط 1967؟ هناك عدة إمكانيات أخرى».

(«معاريف» 16/9) معنى ذلك أن إسرائيل، بقيادة نتانياهو أو غيره، تتوخى من مماطلاتها وفرضها الوقائع بالاستيطان والجدار الفاصل والطرق الالتفافية والتضييق على حياة الفلسطينيين، استدراج الفلسطينيين إلى مواصفات تسوية إسرائيلية تتأسس، أولا، عدم العودة إلى حدود الرابع من يونيو (1967)، ما يتيح ضم الكتل الاستيطانية الكبرى لإسرائيل.

ثانيا، إبقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل مع إخراج أقل قدر من الأحياء العربية منها إلى نطاق السيطرة الفلسطينية. ثالثا، شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والاستعاضة عنه بمعادلة أخرى تتأسس على حل قضية اللاجئين بمختلف الأشكال الممكنة، ولكن خارج نطاق إسرائيل.

وكما لاحظنا خلال التجربة التفاوضية الماضية، الطويلة والمريرة والمضنية، فإن إسرائيل تعمل بلا كلل على فرض هذه المسارات، أو الإملاءات، سواء وافق الفلسطينيون عليها، أو لم يوافقوا، فهي تراهن على أن الزمن والوقائع التي تخلقها في الأراضي المحتلة كفيلة بتحقيق ذلك.

إضاءة

إسرائيل تعمل بدأب بالغ على طريقين متوازيين، أولهما، يتمثل بالقيام بكل ما من شأنه تحجيم طموحات الفلسطينيين الوطنية (عبر الزمن، وفرض الوقائع وإحكام السيطرة عليهم) إلى مجرد دولة في أقل قدر من الأراضي في الضفة والقطاع، وثانيهما، العمل على توطيد وضعها كدولة يهودية قوية وآمنة في المنطقة، مع عدم الظهور بمظهر الدولة الاستعمارية، التي تتحكم بثلاثة ملايين فلسطيني.

ماجد كيالي