شكلت الدرع الصاروخية الأميركية المضادة للصواريخ الباليستية على مدى العقدين الآخيرين مشكلة كبيرة بين موسكو وواشنطن، وزادت حدة المشكلة عندما قررت واشنطن نشر عناصر هذه الدرع بالقرب من حدود روسيا على أراضي دول المعسكر الاشتراكي السابق، واعتبرت روسيا هذا الأمر تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتحججت واشنطن بأن عناصر الدرع المزمع نشرها هناك لا تستهدف روسيا، بل تستهدف تهديدات من صواريخ تسعى إيران لامتلاكها وتهدد أمن أوروبا.

ورغم عدم اقتناع موسكو وحتى الأوروبيين أنفسهم بالحجة الأميركية إلا أن واشنطن صممت على الاستمرار في مشروعها الذي أصبح يشكل عقبة كبيرة أمام تحسن العلاقات بين موسكو وواشنطن.

تقدير روسي ... ويأتي قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما في 17 سبتمبر بالتراجع عن مشروع نشر عناصر الدرع الصاروخية الأميركية في أراضي تشيكيا وبولندا ليحدث ردود فعل قوية وجدلاً واسعاً على مختلف الأصعدة سواء في الولايات المتحدة وأوروبا، أو في روسيا التي أبدت على المستوى «الرسمي» ترحيباً كبيراً بالقرار، واعتبرته خطوة صائبة وسياسة أميركية جديدة تستحق الدعم والتأييد. لكن موسكو في الوقت ذاته أبدت تخوفاتها وتحفظاتها من تبعات هذا القرار وما يلقيه عليها من التزامات ربما لا تستطيع الوفاء بها. وكما يقول المحللون فإن الرئيس أوباما أوفى بوعده وقدم لروسيا هدية ثمينة عليها أن ترد مقابلها بمثلها أو أفضل منها.

وكان أوباما قد أعلن أثناء حملته الانتخابية أنه ينوي إعادة النظر في نشر عناصر الدرع الصاروخية في أوروبا، وقال ان الولايات المتحدة ستتخلى عن الفكرة إذا أقر الخبراء العسكريون عدم جدواها. يذكر أن إدارة الرئيس السابق بوش الابن كانت قد وقعت اتفاقيتين في العام الماضي، الأولى مع تشيكيا في يوليو حول نشر رادار خاص بمنظومة الدرع الصاروخية على أراضيها، والثانية في أغسطس مع بولندا حول نشر عشرة صواريخ اعتراضية تابعة للدرع على أراضي بولندا.

وقد أثارت الاتفاقيتين غضباً حاداً في موسكو التي لم تقتنع على الإطلاق بحجة واشنطن في وجود خطر محتمل من صواريخ بعيدة المدى تسعى إيران لتصنيعها لتهدد بها أمن أوروبا، ولم تقتنع دول أوروبا الكبيرة أيضاً بحجة واشنطن.

وإثر ذلك وجه الاتحاد الأوروبي تحذيراً للدول الأعضاء من استضافة أي قطع للدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها، لكن حكومتي بولندا وتشيكيا لم تعيرا اهتماماً لا للاعتراضات الروسية ولا الأوروبية ولا حتى لمطالب شعبيهما اللذين عبرا عن رفضهما لوجود عناصر الدرع الصاروخية الأميركية على أراضي بلديهما، من خلال مظاهرات الاحتجاج التي عمت شوارع مدن بولندا وتشيكيا وأيضاً استطلاعات الرأي داخل البلدين.

ويأتي قرار الرئيس الأميركي أوباما في هذا التوقيت بالتحديد بمثابة المياه على النيران المشتعلة بسبب هذا المشروع ليلقى ترحيباً واسعاً من موسكو والدول الأوروبية، حيث صرح الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف قائلاً «إننا نقدر ونحيي الموقف المسؤول للرئيس أوباما ونعده بأننا على استعداد لمواصلة الحوار البناء مع واشنطن».

كما رحبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي بالقرار واعتبراه خطوة كبيرة على الطريق الصحيح وبادرة طيبة للسياسة الأميركية الجديدة. ورحبت بريطانيا كذلك بالقرار على لسان رئيس الحكومة غوردون براون.

انتقادات للقرار

وسط هذه الأجواء المرحبة بالقرار الأميركي ظهرت أجواء أخرى رافضة ومشككة في جدواه وصوابيته، وأجواء أخرى مشككة في حسن نية القرار الأميركي، خاصة داخل روسيا، حيث عبرت كل من بولندا وتشيكيا عن خيبة أملهما وأسفهما لتراجع إدارة أوباما عن الاتفاقات التي أبرمتها إدارة الرئيس السابق بوش معهما.

وقال «ألكساندر زيغلو» مسؤول الأمن القومي في الحكومة البولندية إن القرار يعتبر إخفاقاً سياسياً كبيراً لإدارة الرئيس أوباما في منطقة أوروبا الوسطى، بينما قال «رومان بوروك» السكرتير الصحافي لرئيس الحكومة التشيكية ان «القرار يعتبر سابقة غير إيجابية في السياسة الخارجية الأميركية تضعف ثقة حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة فيها».

أما داخل الولايات المتحدة فقد تباينت الآراء، حيث ظهر في أوساط الديمقراطيين تأييد وترحيب كبير بالقرار، خاصة في الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون. كما رحب به العسكريون وبعض الجمهوريين، حيث صرح الخبير الأميركي «دوغلاس بال» مستشار الأمن القومي السابق في عهد ريجان وبوش الأب قائلاً «إن قرار أوباما بادرة إيجابية تفتح آفاق التعاون البناء مع روسيا وتتيح المجال للتفاهم بين موسكو وواشنطن في قضايا أخرى مهمة مثل قضية النووي الإيراني». ورحبت أوساط عسكرية في البنتاغون الأميركي بالقرار، معتبرة أنه يتيح التفاهم بين موسكو وواشنطن لتوقيع معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية، ويتيح أيضاً الفرصة لتعاون فعال بين روسيا والقوات الدولية في أفغانستان.

على جانب آخر ظهرت اعتراضات حادة على القرار في الولايات المتحدة من جانب لوبي أميركي يطلق على نفسه اسم «التحالف من أجل الدرع الصاروخية» ويرأسه الجمهوري المحافظ والمتشدد تجاه روسيا «ريكي أليسون» الذي أعرب لصحيفة «غازيتا فيبورتشا» البولندية عن خيبة أمل التحالف في قرار الرئيس أوباما، وقال أليسون «إن الرئيس أوباما يعتقد خطأ بأنه سيحصل من موسكو على مقابل كبير ومجز مقابل هذا القرار، لكنه سيندم عندما يفشل في الحصول على ما يريد وسيكون ندمه هذا بعد فوات الأوان».

المعارضة الروسية

وفي روسيا أيضاً انقسمت الآراء بين مؤيدين للترحيب بالقرار في الأوساط السياسية الرسمية، ومعارضين في أوساط المعارضة الروسية وأيضاً في أوساط العسكريين الروس الذين اعتادوا دائماً على عدم الثقة في أية مساع أميركية والشك الدائم فيما تخفيه واشنطن وراء مبادراتها السلمية والودية تجاه موسكو، حيث ترى الأوساط السياسية الرسمية أن الوقت قد حان لإحداث تطور إيجابي في التعاون العسكري الروسي- الأميركي.

واعتبر «قسطنطين كوساتشوف» رئيس لجنة الشؤون الدولية في البرلمان الروسي ان القرار يدل على موقف الرئيس أوباما الجاد من الحوار والتعاون الاستراتيجي مع روسيا. ودعا كوساتشوف إلى اتخاذ موقف مرن يوفر لروسيا إمكانية وربما فرصاً إضافية للتعاون مع الولايات المتحدة والناتو في المفاوضات الثنائية القادمة.

وعلى الجانب الآخر يعتقد العسكريون الروس أن قرار أوباما لا يجب أن يكون سبباً لتخفيف المواقف الروسية، باعتبار انه لا توجد أدلة على تخلي الأميركان عن مخططاتهم الساعية إلى تغطية كل الأراضي الروسية بمظلة مضادة للصواريخ.

ويرى المارشال «ليونيد إيفاشوف» رئيس أكاديمية القضايا الجيو سياسية في موسكو أن قرار أوباما لا يعني تغييراً في موقف واشنطن من نشر الدرع الصاروخية في أوروبا بل يعني فقط تغيير في التوقيت وأماكن النشر. ويقول «إيفاشوف» إن «قرار أوباما لن يغير بين عشية وضحاها العقيدة العسكرية الأميركية العدوانية تجاه روسيا، وأن البنتاغون سيسعى لنشر عناصر هذا الدرع الصاروخية على سفن وحاملات طائرات تتحرك بحرية بالقرب من الشواطئ الروسية وهي وسيلة أقل تكلفة وأسهل من نشرها على الأرض.

ووصف إيفاشوف قرار أوباما بأنه «مناورة سياسية» وقال «ان ما تريده واشنطن من موسكو أكثر بكثير من تراجعها عن نشر عناصر الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا، وأن المحصلة في النهاية ستكون تقليص نفوذ روسيا الدولي وشل قدراتها العسكرية وفقدانها لحلفاء مقربين لها مثل إيران والصين».

مطلوب من موسكو

ويبقى السؤال: ما هو المقابل الذي تريده واشنطن من موسكو؟ يقول المحلل العسكري الروسي أندريه فيدياشين لوكالة نوفوستي: «مطلوب من موسكو أشياء كثيرة، أهمها الموافقة على تشديد العقوبات على إيران، والامتناع عن إمداد إيران بالأسلحة الحديثة، وفتح الترانزيت للشحنات العسكرية براً وجواً لقوات التحالف الدولي في أفغانستان عبر الأراضي الروسية، وهذه أمور أبدت موسكو اعتراضها عليها من قبل، ولكن ليس مقبولاً منها الآن الاعتراض عليها بعد البادرة الكبيرة التي قدمها لها الرئيس أوباما».

ويرى فيدياشين أن أي تعنت من جانب موسكو في الاستجابة لهذه الطلبات سيضع إدارة الرئيس أوباما في حرج شديد ويضعف موقفها تجاه خصومها من المحافظين في واشنطن، وأيضاً سيضعف موقف الدول الأوروبية الكبيرة المؤيدة للتفاهم والوفاق مع موسكو ويقوي موقف الدول الصغيرة المعارضة للتعاون مع روسيا أمثال بولندا وتشيكيا.

إيران على مدى ثلاثة عقود تعيش في ظل عقوبات لم تردعها ولم تقهرها، ولكن العقوبات التي تريدها واشنطن لها وتريد من موسكو أن تؤيدها تختلف عن العقوبات السابقة، بل وتمس بشكل مباشر مصالح كل الجهات الروسية التي تتعامل مع إيران، كما ستضر هذه العقوبات بشكل مباشر وكبير مصالح الصين في إيران.

وقد سبق أن رفضت موسكو هذه العقوبات المشددة ورفضتها الصين وأيضاً دول أوروبية مثل ألمانيا التي تحتل المركز الأول في التجارة الخارجية لإيران، أما ترانزيت السلاح لأفغانستان فهو أمر مرفوض تماماً ليس فقط من روسيا بل ومن الصين وباقي الدول المجاورة لأفغانستان، من هذا يفهم أن موسكو لن تستطيع الرد على هدية الرئيس أوباما بما تريده واشنطن.

هكذا تبدو الرؤية لمبادرة الرئيس أوباما بين التأييد والمعارضة، وبين من يراها بداية سياسة أميركية جديدة ومن يراها مناورة أميركية ألقى فيها أوباما الكرة في ملعب روسيا التي أصبح مطلوباً منها أن ترد بمبادرات مماثلة وتستجيب لطلبات أميركية كانت ترفضها من قبل.

إضاءة

في محاولة للإجابة عن السؤال ما هو المقابل الذي تريده واشنطن من موسكو؟ يقول المحلل العسكري الروسي أندريه فيدياشين لوكالة نوفوستي: مطلوب من موسكو أشياء كثيرة، أهمها الموافقة على تشديد العقوبات على إيران، والامتناع عن إمداد إيران بالأسلحة الحديثة، وفتح الترانزيت للشحنات العسكرية براً وجواً لقوات التحالف الدولي في أفغانستان عبر الأراضي الروسية. وهذه أمور أبدت موسكو اعتراضها عليها من قبل، ولكن ليس مقبولاً منها الآن الاعتراض عليها بعد البادرة الكبيرة التي قدمها لها الرئيس أوباما».

ويرى فيدياشين أن أي تعنت من جانب موسكو في الاستجابة لهذه الطلبات سيضع إدارة الرئيس أوباما في حرج شديد ويضعف موقفها تجاه خصومها من المحافظين في واشنطن، وأيضاً سيضعف موقف الدول الأوروبية الكبيرة المؤيدة للتفاهم والوفاق مع موسكو.

د. مغازي البدراوي