بديهي أن العالم لم يشهد أزمة في عالم المال ودنيا الاقتصاد مماثلة لما تعانيه حالياً النظم الاقتصادية الدولية منذ أزمة الكساد الكبير في عقد الثلاثينات من القرن الماضي. ومن عجب أن الأزمة الحالية حلَت بعد مرحلة من الازدهار ومظاهر اليسر والرخاء التي سادت عالم التسعينات وامتدت ؟ كما هو معروف ؟ حتى حلول الصيف من عام 2008 الماضي.
في هذا الإطار ـ يقول المحللون الاختصاصيون ـ شهدت الحقبة المعاصرة عمليات مراكمة للثروات واكبتها أيضا إبداعات وابتكارات أضفت كل ما هو جديد ومثير على أساليب الحياة على سطح كوكب الأرض. ولقد تحقق هذا كله ؟ بمصادفة تاريخية ؟ على صعيد أقطار وشعوب الغرب، وفي مقدمتها بالذات الولايات المتحدة الأميركية حيث استمدت طفرة الازدهار هذه جذورها من عاملين أساسيين: - الأول: انتهاء الحرب الباردة مع مطلع التسعينات بانتصار مؤَزر ومشهود للمعسكر الغربي الرأسمالي، مع ما صاحب هذه المرحلة من زوال الخصم التاريخي المتمثل في المعسكر الاشتراكي ـ الشيوعي ـ السوفيتي في شرق أوروبا، ومن ثم تسلَم الخصم الرأسمالي ـ الأميركي بالذات مقاليد القيادة في عالم التسعينات وما بعدها حيث تبوأت أميركا مكانة القطب الواحد ـ إن لم يكن الأوحد على مستوى العالم.
- الثاني: أن هذه المكانة لم تأت نتيجة معادلة تلقائية ولا حتى مصادفة زمنية سعيدة تمثلت في سقوط وزوال الكرملين السوفيتي.. بل جاءت في تصورنا بمثابة ترجمة استراتيجية وسياسية لما حققه العقل والمثابرة في أميركا من إنجازات.. يصل بعضها موضوعيا إلى مستوى الاختراقات بل الفتوحات في مضمار العلم والتكنولوجيا.. وليس أقلها كما هو معروف ثورة الاتصالات التي ربطت بين كل أجزاء العالم على اختلاف أنساقه المعرفية والثقافية، ناهيك بثورة الحواسيب الالكترونية، والتي جعلت شبكة الانترنت العولمية أقرب إلى الخبز اليومي في حياة واهتمامات الملايين.. وربما البلايين من البشر.
البيئة هي الأخطر
ورغم أن شعوبا شتى في شرق عالمنا وغربه نعمت بهذا المستوى غير المسبوق من الرخاء والفرص السانحة، إلا أن وتيرة إيقاع الأزمة المالية الاقتصادية وعمق قسوتها مع ما أسفرت عنه من حالات انهيار وإفلاس وخراب أصابت كيانات مصرفية وتمويلية عملاقة، كان من بينها مؤسسات ومصارف (مؤسسة إعادة التأمين في أميركا نموذجا) بل كان منها نظم وكيانات سياسية معترف بها (دولة أيسلندا نموذجا آخر).
بيد أن ثمة إجماعا بين الاختصاصيين في هذا الميدان يؤكد على أن أخطر ما في الأزمة الراهنة لا يتمثل وحسب في وتيرتها ولا حتى في حجم الخسائر المادية الجسيمة التي نجمت عنها: إن الأخطر من هذا كله يتمثل في ظاهرة سلبية تجسدها في إيجاز شديد العبارة التالية: فقد الثقة، بمعنى ضياع الثقة في الأسس التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية بشكلها الراهن ونظمها الحالية والقيم الروحية والركائز المادية التي تقوم على أساسها.
صحيح أن دروس التاريخ الإنساني تعلمنا أن ثمة أزمات.. وربما نكسات أصابت حضارات سبقت في روزنامة التقدم البشري عبر عصور وأقوام شتى.. تأمل مثلا ما أصاب حضارة الرومان الباذخة بكل انضباطها وتقدمها التكنولوجي في زمانها، السابق بعدة قرون على ميلاد المسيح عليه السلام، وهو ما يصوره في بلاغة علمية مشهودة كتاب المؤرخ الإنجليزي الأشهر «إدوارد جيبون» الصادر عام 1776 بعنوان: «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية»..
أما النموذج الآخر فهو ما آلت إليه الحضارة العربية الإسلامية ما بين شروق وازدهار ساد مراحل العصور الوسطى وبلغ ذراه في مراكز الاستنارة والتقدم التي تعددت في عالم العروبة والإسلام ما بين بغداد إلى القاهرة وما بين دمشق إلى قرطبة، إلى غروب ومحاق وخاصة خلال عصور السيطرة التركية.
أما في العصر الحديث.. فيكفي أن يتأمل الباحث غروب شمس إمبراطوريات طالما ازدهرت وحكمت واغتنت وهيمنت.. ما بين إمبراطورية الأسبان في أميركا اللاتينية وإمبراطورية الإنجليز والفرنسيين في قارتي آسيا وأفريقيا.
والشاهد أن الحضارات تقوم وتزدهر ثم تصدق عليها، مثل كل كائن حي، قوانين الضعف والتداعي والشيخوخة إذا ما أصيبت بأدواء يأتي في صدارتها داء الانغماس في حمأة الترف والركون إلى الدعة وسقوط الهمة وتنكَب الطريق إلى الإنتاج أو الابتكار على نحو ما يوضح «ابن خلدون» في مقدمته الموسوعية عن مصير الدول ومسير المدنيات.
على أن الجديد.. وهو الأخطر بالنسبة لأزمة الحضارة الإنسانية في لحظتنا الراهنة هو أن أضيف إلى مآسيها عامل خطير مستجد هو: تغير المناخ
وتلك ظاهرة ليست قطرية ولا إقليمية ولا حتى قارَية بل إن فداحتها تتمثل في كونها ظاهرة كوكبية لا تستثني طرفا دون طرف من سكان الأرض أجمعين.
رؤية موريس سترونغ
في هذا السياق ينبغي أن نصغي جيدا إلى موريس سترونغ وهو أول وأهم شخصية عالمية ارتفع صوتها داعيا إلى الاهتمام بقضايا البيئة بمعنى قضايا المحيط الجوي لكوكب الارض علم الدراسات الايكولوجية كما يقول أهل الصنعة والتخصص في هذا المجال.
الأستاذ موريس سترونغ بدأ في الظهور منذ تولي موقع الأمين العام لأول مؤتمر دولي عقدته الأمم المتحدة بشأن «البيئة البشرية في عام 1972. وبعدها، وبفضل جهوده الدؤوبة، قاد حملات على مستوى العالم.. إلى حيث كان بمثابة العرّاب لأهم مؤتمر عالمي عقد تحت عنوان «البيئة والتنمية» وشهدته الحاضرة البرازيلية ريودي جانيرو في ربيع عام 1992.
وكان محفلا بالغ الأهمية تشاور فيه رؤساء الدول والحكومات مع صفوة العلماء الاختصاصيين ليخرجوا بـ «وثيقة ريو» التي لاتزال تحدد معالم السياسة الدولية في مجال الحفاظ على بيئة كوكبنا من خلال اعتماد الشأن البيئي أو هو الاهتمام أو الهمّ الأيكولوجي في قلب جدول أعمال أي حكومة أو نظام مسؤول في كل دول العالم بغير استثناء.
حتى لا نواجه أرما جيدون
نشر «موريس سترونغ» مؤخرا دراسة مهمة يؤكد فيها أن بيئة كوكبنا أصبحت عند مفترق طرق.. بمعنى الخيار بين سبيلين: إما التصدي بجدَية بالغة لا هوادة فيها ولا تهاون، لمعالجة ظاهرة قضية التغير المناخي في العالم.. وإما أن تستعد البشرية لمواجهة «أرماجيدون» على نحو ما يعبر سترونغ في عنوان الدراسة.. وهو يقصد مواجهة كوارث فادحة قد تؤدي إلى نهاية العالم بأسره.
في هذا السياق يتطرق «موريس سترونغ» إلى المغارم التي أصبح يتكلفها سكان العالم في الوقت الحالي فيقول: إن التكاليف الاقتصادية والبشرية التي يتحمَلها العالم نتيجة تغير المناخ ومشاكل البيئة تصل بالفعل إلى 125 مليار دولار كل سنة إضافة إلى فقدان 300 ألف إنسان يلقون حتفهم في غمار ما يقع من كوارث طبيعية ناجمة عن ظاهرة تغير المناخ الكوكبي (يقصد ظواهر تتراوح بين غوائل الجفاف أو خطر الفيضانات المهلكة أو الأعاصير المدمرة أو أمواج التسونامي المحيطية.. أو وقوع الزلازل وثوران البراكين).
وبخلاف الإحصاءات.. تحيل دراسة الأستاذ سترونغ إلى تقرير دولي صادر مؤخرا عن «المعهد العالمي للموارد» (أو هو المعهد المعني بالموارد العالمية) يحذَر البشر من أنهم باتوا يواجهون حاليا خطر انقراض كثير من أنواع المخلوقات الحية وبخاصة من حيث تدهور الأرصدة السمكية التي تمثل محور الحياة وأسباب المعيشة لملايين من البشر في طول عالمنا وعرضه..
هذا فضلا عن «التدهور الحافل بكل نذر الخطر في نوعية وتوافر المياه العذبة المطلوبة للاستهلاك الآدمي، والتدهور المضطرد في الغابات والموارد الاحيائية، والخسارة المستمرة في أنواع التربة المنتجة للمحاصيل وسوء نوعية الهواء الذي نتنفسه نحن وسائر مخلوقات الله عز وجل بسبب آفة التلوث ثم أخطار التلوث التي باتت تتسلل إلى سلسلة الغذاء اللازم لاستمرار الحياة.
وقد أسهبت دراسة المعهد الدولي المذكور في شرح العواقب السلبية لتغيرات المناخ وقد أصبحت ماثلة ومتبلورة بشكل مادي ملموس ومحسوس أمام كل من يريد أن يتأمل سلبيات الظاهرة ويفكر من ثم في إمكانيات التصدي لها.
ومع هذا، ورغم جسامة ما عرضه المعهد من عوامل السلب في ظاهرة تغير المناخ وما نجم عنها من معاناة وما يمكن أن تفضي إليه من عقابيل تؤثر بالسلب على حياة أجيال راهنة وأجيال قادمة مع هذا كله، فإن موريس سترونغ، لا يلبث أن يخلص إلى نبرة تفاؤل إيجابية يقول فيها ما يلي:
أنا على قناعة بأن إتباع نظام صارم ودقيق (وشفَاف) من الحوكمة، وبمعنى القدرة على التعامل الواعي والكفء مع القوى الكفيلة بتشكيل مستقبلنا، هو الكفيل بتزويدنا بإمكانات التصدي، القادر على مواجهة كل ما نصادفه كبشر من تحديات.
وعلينا أن نسلّم بأن الأمر لا يقتضي أن نواجه جميع القضايا أو نحل كل المشاكل مرة واحدة وعلى مستوى عالمي: هناك امكانية التصدي للمشاكل على مستويات محلية.. قطرية.. إقليمية بشرط تهيئة الأطر والاتفاقات الدولية والإمكانات المادية وصنوف الدعم والموآزرة للعناصر المحلية أو الإقليمية ذات الصلة.. والأهم من هذا كله ؟ يضيف خبير البيئة العالمية ؟
أن نشرك الناس وهم أصحاب المصلحة فيما يتم من إجراءات، وبحيث لا تظل إجراءات التعامل مع البيئة قرارات فوقية أو مجرد مراسيم حكومية بقدر ما تكون نابعة من وعي الجماهير وقناعاتها بوصفها، كما أسلفنا، صاحبة المصلحة من جهة، والمعرَضة أكثر من غيرها لأخطار الكوارث الطبيعية والأزمات البيئية من جهة أخرى.
من أجل الأبناء والأحفاد
في السياق نفسه، وبرغم الصورة ذات الأبعاد القاتمة إلى حد ما.. يواصل السيد سترونغ تفاؤله المشجع حين يوضح أننا أول أجيال البشر الذين أتيحت له إمكانات أكثر ممن سبقوه للسيطرة على موارد كوكب الأرض الذي سيعيش في أكنافه أجيال المستقبل من أبنائنا وأحفادنا.. ومن ثم فإن ما نستطيع إنجازه.. أو ما نعجز عن إنجازه، دع عنك ما نتعامل معه بإهمال أو لا مبالاة.. هو الكفيل بالتأثير العميق على هؤلاء الأبناء والأحفاد.
أخيرا، وفيما يخصنا نحن سكان منطقة الشرق الأوسط، نلاحظ أن «سترونغ» يحاول استرعاء الاهتمام ؟ بتكرار وتأكيد ملحوظ - إلى ما يمكن أن تعانيه منطقة الشرق الأوسط في المستقبل من منافسات وتوترات حسب تعبيره من جراء مشكلة تتمثل في تناقص الكمَ المتوافر من موارد المياه.
وقد نضيف موضحين أن شحة المياه مشكلة حالّة (بتشديد اللام) وإن تكن غير مقتصرة على الشرق الأوسط بل هي مشكلة كفيلة بأن تعم أرجاء القارة الآسيوية بأسرها بما في ذلك شرق وجنوبي آسيا.
وفي هذا المضمار نفهم مغزى التحذير الذي انطلق من اجتماعات أحدث مؤتمر لخبراء الموارد المائية التأم عقده مؤخرا في السويد وتحت إشراف الأمم المتحدة وعمد فيه الخبراء الدوليون إلى الربط بين شحة المياه وبين اضطراب سلسلة توفير الأغذية اللازمة للشعوب بكل أعدادها المتزايدة باطراد في القارة الآسيوية.
إضاءة
نشر «موريس سترونغ» أول وأهم شخصية عالمية ارتفع صوتها داعيا إلى الاهتمام بقضايا البيئة بم مؤخرا دراسة مهمة يؤكد فيها أن بيئة كوكبنا أصبحت عند مفترق طرق.. بمعنى الخيار بين سبيلين: إما التصدي بجدَية بالغة لا هوادة فيها ولا تهاون، لمعالجة ظاهرة ؟ قضية التغير المناخي في العالم..
وإما أن تستعد البشرية لمواجهة «أرماجيدون» على نحو ما يعبر سترونغ في عنوان الدراسة.. وهو يقصد مواجهة كوارث فادحة قد تؤدي إلى نهاية العالم بأسره.
محمد الخولي

