عقدت الأمم المتحدة قمة موسعة حول التغير المناخي لحشد الدعم السياسي وإعطاء الدفعة المطلوبة للوصول إلى الاتفاق الطموح في مؤتمر التغير المناخي المقبل الذي تعقده المنظمة الدولية في كوبنهاغن بالدنمارك في وقت لاحق هذا العام.

وجاءت القمة التي عقدت على مستوى رفيع واستمرت يوما واحدا ودعا إليها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في إطار حملة دولية لتشجيع الحكومات والأطراف المعنية الأخرى «للتوصل إلى اتفاق» حول اتفاقية للتغير المناخي تتسم بـ «النزاهة والتوازن والفعالية» عندما يلتقون في كوبنهاغن في الفترة من السابع وحتى ال18 من شهر ديسمبر المقبل لمناقشة الخفض العالمي الضروري في الغازات الدفيئة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. ومن بين أهداف القمة المساعدة أيضا على ان يتوصل الزعماء في كوبنهاغن إلى اتفاق حول معاهدة طموحة وقوية بدلا من بروتوكول كيوتو الذي ستنتهي مرحلته الأولى في عام 2012.

البداية مع كيوتو

والمعروف انه تمت مناقشة بروتوكول كيوتو حول وضع حد للغازات المسببة للاحتباس الحراري في عام 1997 في مدينة كيوتو اليابانية ودخل حيز التنفيذ في فبراير 2005 وهو عبارة عن اتفاقية تعمل بمقتضاها الدول الصناعية على خفض الانبعاثات بنسبة 2,5 في المئة مقارنة بعام 1990 والهدف منها هو خفض إجمالي الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النترات والكبريت.

وقد انتهت القمة حسبما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى تشكيل لجنة رفيعة المستوى بعد مؤتمر كوبنهاغن «لتقديم المشورة حول أفضل السبل لإدماج التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره على التنمية».

وقال بان في مؤتمر صحافي عقب اختتام القمة «إنها كانت حدثا تاريخيا» لأسباب كثيرة منها ان هذا اليوم «يمثل اللحظة التي تحول فيها الزخم السياسي لصالح التوصل لاتفاقية مناخية عالمية طموحة وفعالة في كوبنهاغن» مؤكدا أنه لمس «ان هناك شيئا ما كان قد غاب في الأشهر القليلة الماضية لكنه عاد اليوم انه شعور بالتفاؤل والإلحاح». وأعرب عن أمله في «أن تصمم الحكومات على التوصل إلى اتفاق في كوبنهاجن».

خمس قضايا

وأشار المراقبون لأعمال القمة إلى التقارب بين الزعماء بشأن خمس قضايا رئيسية في المفاوضات حول المناخ هي «حزمة التكيف وأهداف الدول الصناعية الطموحة المتمثلة في التخفيف من آثار التغير المناخي على المدى المتوسط والإجراءات المدعومة من الدول النامية لخفض انبعاثاتها وزيادة مستوى التمويل والدعم التكنولوجي لتأمين الاستثمار وتحفيز النمو الأخضر والحكم العادل الذي يلبي احتياجات الدول النامية».

لكنهم أكدوا إلى أن القمة لم تحقق غاية المجتمع الدولي فيما يتعلق بالتغير المناخي وعلى الرغم من أنها القمة لا تعتبر ضمانة للتوصل إلى اتفاق عالمي إلا أنها اقتربت بالتأكيد خطوة لتحقيق هذا الهدف،ذلك رسالة القمة كانت واضحة وهي ان اتفاقية كوبنهاغن «يجب أن تكون شاملة».

وأنها، حسب قول الأمين العام للأمم المتحدة يجب أيضا أن تضمن «تعزيز العمل لمساعدة الدول الضعيفة والفقيرة على التكيف مع تأثيرات تغير المناخ والوصول إلى أهداف خفض انبعاثات الغازات الطموحة بالنسبة للدول الصناعية«

وتفاؤل الأمين العام للأمم المتحدة ينبع أساسا مما حدث من التعديل الذي طرأ على الموقف الأميركي ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الجمهورية السابقة تتشدد تماما تجاه تطبيق اشتراطات تحد من سخونة الجو وأعلنت انسحابها من اتفاقية كيوتو.

تعهدات أوباما

ولكن جاءت كلمة الرئيس الأميركي باراك اوباما لتؤكد أن إدارته الديمقراطية سيكون لها موقف مختلف من هذا الأمر، فقد أعلن في كلمته بالقمة أنه عازم على العمل من أجل حماية المناخ، غير أنه اعترف بأن التحديات القادمة والمدرجة على جدول قمة كوبنهاجن في ديسمبر القادم ستكون «الأصعب».

وقال أوباما ـ الذي تعتبر بلاده أكبر مصدر للتلوث البيئي في العالم - إن «التهديد المتمثل بالتغير المناخي خطر داهم ومتزايد».وحذر من أن الأجيال القادمة ستواجه «كارثة لا مفر منها» إذا لم تتصرف الأسرة الدولية بجرأة وسرعة.

كما دعا القادة السياسيين إلى أخذ التهديد الذي يشكله التغيير المناخي على البشرية مأخذ الجد. وحذّر من عدم وجود أي دولة «كبيرة أم صغيرة، غنية أم فقيرة، قادرة بمفردها على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية». وأضاف بأن على الدول المتقدمة أن تكون قدوة في تقديم المساعدات المالية والفنية للدول الأقل نمواً بهدف محاربة ارتفاع حرارة الأرض.

وجدد الرئيس الأميركي التزامه أن تكون الولايات المتحدة أكبر مستثمر في العالم في الطاقة المتجددة، وأن تضع معايير جديدة لخفض التلوث المنبعث من الآليات ولجعل الطاقة النظيفة مجدية اقتصادياً،ولكن على الرغم من ذلك فان اوباما لم يتحدث عن هدف للولايات المتحدة سوى الحد من معدل انبعاث غازات الدفيئة لتصل إلى المستوى الذي كانت عليه عام 1990، على أن يتحقق هذا الهدف بحلول عام 2020.

والمعروف أن تردد عدد من الدول على رأسها الولايات المتحدة في تقديم التزامات طموحة بشأن حماية المناخ يثير القلق بشأن مصير مؤتمر كوبنهاجن. كذلك فان الدول الأوروبية تلوم الولايات المتحدة لأنها لا تدعم جهود الدول الأقل نموا، ولا تلتزم بأهداف طموحة كالتي تلتزم بها أوروبا، أي هدف الحد من الانبعاثات بنسبة 20 بالمائة بحلول عام 2020 بالمقارنة مع مستوى 1990.

الملوث الجديد الكبير

أما الصين التي أصبحت ملوثا كبيرا للبيئة وسببا من أسباب التغير المناخي، بسبب الطفرة الصناعية التي تشهدها منذ سنوات فقد تعهد رئيسها هو جين تاو بمكافحة التغير المناخي من خلال كبح جماح تزايد انبعاثات الكربون مع نمو الاقتصاد.

وقال «سنسعى لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بهامش كبير عن مستويات عام 2005 وذلك بحلول عام 2020». وقد نظر خبراء البيئة لهذا التعهد من الصين صاحبة أكبر معدل انبعاثات في العالم على انه محاولة للرد على الذين يقولون إن بكين لا تبذل جهودا كافية.

ومن الممكن أن يشكل العرض الصيني ضغطا على الولايات المتحدة والدول الرئيسية الأخرى ذات المعدلات العالية من الانبعاثات لإطلاق محادثات متوقفة حول إطار جديد لمعالجة مشكلة الاحتباس الحراري.

الأمر الذي يساعد على التوصل إلى اتفاقية في كوبنهاجن. وتتربع الصين على رأس قائمة الدول المسببة للانبعاثات، تليها مباشرة الولايات المتحدة الأميركية، وهما تتقاسمان معاً نفث ما نسبته 40 في المئة من الانبعاثات الحرارية في سماء العالم، تكاد تكون موزعة بينهما بالتساوي.

وبالتالي فان «خطاب» كلتا الدولتين في القمة على الرغم من انه لم يتضمن أية تعهدات أو إجراءات محددة للحد من تغير المناخ وارتفاع حرارة الأرض دفعت كثيرين إلى التفاؤل من إمكانية التوصل إلى اتفاقية جديدة بدلا من اتفاقية كيوتو.

ولكن الذي يؤكد في الوقت نفسه انه مازالت هناك خلافات جذرية بين دول العالم حول مكافحة التغير المناخي هو ما صرح به الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزى خلال القمة عندما دعا إلى عقد قمة أخرى حول المناخ في شهر نوفمبر المقبل.

عولمية قاتلة

ولاشك ان قضية التغير المناخي تعد «عولمية» بامتياز، لأنها تهدد البشرية جمعاء، ذلك ان فريقا علمى دوليا برئاسة البروفسور إيريك بوست من جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية قام بمجموعة من الدراسات حول رد الفعل البيولوجي لزيادة درجة حرارة القطب الشمالي خلال السنة القطبية الدولية الرابعة التي انتهت في العام 2008، ووثقوا مجموعة كبيرة من تفاعل النبات والطيور والحيوانات والحشرات والبشر في تلك المنطقة.

واكتشف الفريق ان ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي خلال السنوات الـ 150 الماضية ترك تأثيراً كبيراً، وعلى سبيل المثال، تفقد الدببة القطبية، التي تلد صغارها في الكهوف أو الملاجئ الكامنة تحت الثلوج من جرائها،عند انهيار المخابئ بسبب الأمطار المبكرة في فصل الربيع. وأكدت الدراسات ان هذه الأجناس قد تتجه نحو الانقراض. وقال بوست » نلاحظ إشارات تغير سريعة أينما نظرنا سواء في الجو أو في المياه».

وأشار إلى أن نتائج هذه الدراسة تظهر ان تأثير ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي كبير جداً، خصوصاً وانه لم يتخط درجة مئوية واحدة خلال ال150 سنة الماضية. واعتبر انه من الصعب التنبؤ بما سيحصل عندما ترتفع الحرارة 6 درجات، وهو أمر متوقع خلال السنوات ال100 المقبلة.

صراع طبقي عالمي

وبالطبع فان قضية التغير المناخي لا تخلو من صراع طبقي عالمي بين دول الشمال والجنوب، ذلك أن الأخيرة تتهم العالم المتقدم بأنه السبب وراء التغير المناخي، وتطالب بان يتحمل مسؤوليته في تمويل عمليات التصدي للآثار السلبية له في دول الجنوب، على ان يتزامن ذلك مع القيام بإجراءات تحد من ارتفاع حرارة الجو، ولكن دول الشمال تقول ان دول الجنوب تقوم هي الأخرى بعمليات تلوث للهواء بما يؤدى إلى إحداث التغيرات المناخية، قامت دول العالم المتقدم في الربع الأخير من الألفية الثانية، بنقل عدد كبير من الصناعات والأنشطة الملوثة للبيئة إلى دول الجنوب مثل صناعة الاسمنت على سبيل المثال.

وقد وصف تقرير للأمم المتحدة يحمل عنوان «المسح الاقتصادي والاجتماعي العالمي لسنة 2009» المبالغ المالية المخصصة لمواجهة التغير المناخي في العالم بأنها «غير كافية بصورة مفزعة».

ودعا الدول الغنية إلى تقديم ما بين 500 مليار و600 مليار دولار سنويا إلى الدول الفقيرة لمواجهة تداعيات التغير المناخي والتخفيف من حدتها. وبالطبع فان الدول الغنية ترفض هذا الأمر، بل وتقوم بعمل انتقائي فيما يتعلق بتقديم المعونات للدول الفقيرة من اجل التخلص من التأثيرات السلبية لتلوث البيئة.

إضاءة

الموقف الأميركي التقليدي من قضية التغيرات المناخية ظل يتسم بالمحافظة في مواجهة تغير المناخ، وظلت الولايات المتحدة على الدوام تتمسك بشروط اعتماد القوانين الوطنية لا المعاهدات الدولية كأساس للالتزامات البيئية.

ولا يزال مشروع القانون الجديد حول تحديد مستويات ملوثات الكربون الذي طرحه الرئيس أوباما على الكونغرس ينتظر موافقة مجلس الشيوخ بعدما طغت عليه نقاشات إصلاح نظام الرعاية الصحية.

خالد السرجاني