مازال بنيامين نتانياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، يماطل، ويطرح الشروط تلو الشروط، متلاعبا بالكلمات والمواقف، ومثلا، فهو مع قيام دولة فلسطينية، ولكن بعد اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، وعلى أن تكون دولة منزوعة السلاح، مع الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى، والتمسك بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، ومن دون أي التزام من إسرائيل بشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وعربيا يطالب نتانياهو بقيام الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، لمجرد قيام هذه بتجميد الاستيطان لبضعة أشهر فقط، وليس مقابل انتهاء الاحتلال، كما انه يطالب بإنهاء الفلسطينيين والعرب عموما لمطالبهم من إسرائيل.
وعلى الصعيد الدولي يطالب نتانياهو الدول الكبرى، مقابل التسوية، بضمان أمن إسرائيل، وتقديم الدعم المالي لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، ووضع إيران على رأس الأجندة الدولية، لإزالة خطرها، وتحجيم نفوذها في الشرق الأوسط، وبالأخص للحؤول دون تملكها الطاقة النووية.
وبديهي فإن نتانياهو يدرك أن اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لإسرائيل شيئا، بواقع نظامها السياسي والتشريعات القانونية فيها؛ التي وحدها تحسم في هذا الأمر.
وبالتأكيد فإن نتانياهو ليس من السذاجة التي تجعله يخشى تسلح الدولة الفلسطينية المفترضة، في واقع لا يستطيع فيه الفلسطينيون امتلاك 1% مما تمتلكه إسرائيل من أسلحة، لا من ناحية الإمكانيات المادية، ولا من ناحية مصادر التسلح، وأيضا بواقع سيطرة إسرائيل على حدود هذه الدولة (الضفة)، بشكل مباشر وغير مباشر.
ويمكن أن نتحدث بذات المنوال على شروط نتانياهو الأخرى، فهي مجرد شروط تطرح للاستهلاك الداخلي، أي للحفاظ على استقرار الحكومة اليمينية الإسرائيلية، ورفع سقف إسرائيل في عملية التسوية الجارية، وتعزيز موقعها في إطار الإستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط، وخصوصا من أجل الضغط على الفلسطينيين ومقايضتهم إقامة دولة لهم بالتنازل في المسائل المتعلقة بالحدود وبالقدس، وبالتخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وفقط حينذاك، أي حين تؤمن إسرائيل هكذا تسوية، تتأسس على قيام كيان للفلسطينيين، في أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإنهاء المطالب الفلسطينية (بشأن حق العودة) يمكن لها أن تذهب للتسوية، لأنها حينذاك تستطيع أن تقول للإسرائيليين، انها حققت لهم ما يريدونه في جلب السلام والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، مع بقاء الكتل الاستيطانية الكبرى، وبوجود إسرائيل في القدس الشرقية بشكل أو بآخر؛ وتعزيز مكانتها على الصعيد الدولي.
لكن معضلة هذه التسوية الإسرائيلية أنها لا تتناسب البتة مع المطالب الفلسطينية وأن العرب المعنيين لا يستطيعون السير بها، وتاليا لذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية لا تبدو قادرة، في ظل هذه المعطيات، على استئناف تسيير هذه العملية، وتحسين صورتها في الشرق الأوسط، وجلب العرب إلى أجندتها السياسية، للتسهيل عليها الخروج من العراق، وعزل وتقويض الإرهاب في أفغانستان وباكستان، وتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة.
هكذا، فإن مشكلة إسرائيل هذه المرة ليست في ما يريده الفلسطينيون والعرب عموما، وإنما تكمن في موقف الإدارة الأميركية التي تبدو متعجلة في أمرها لتدوير عجلة التسوية، في السنتين المقبلتين، للتفرغ نهائيا لمعالجة الأزمات الأخرى، الشرق أوسطية والدولية، السياسية والاقتصادية.
إزاء هذا الوضع فإن نتانياهو يجد نفسه في حالة جد حرجة، فهو هذه المرة غير قادر على تجاهل الحاجة الأميركية لموقف إسرائيل متفهم ومتعاون، وإلا سيظهر كمن يصعّب ويعرقل السياسة الأميركية الشرق أوسطية، وكمن يضعف استقرار العلاقات بين إسرائيل وأكبر دولة راعية وضامنة لها، أي الولايات المتحدة.
على ذلك فليس أمام نتانياهو مناصا من التعامل بجدية ومسؤولية مع المقترحات الأميركية لاستئناف عملية التسوية، والتوجه لتخفيض شروطه، ووضع حد لتلاعباته بالمواقف المتعلقة بهذا الشأن.
وعلى الأرجح فإن نتانياهو سيذهب في المرحلة المقبلة لتقديم بعض التنازلات الشكلية، التي ترضي الطرف الأميركي، ولا تغضب اليمين الإسرائيلي المتطرف، مثل التوافق على تجميد الاستيطان لفترة معينة، ولو تضمن ذلك تجميد الأنشطة الاستيطانية في القدس (بدون الإعلان عن ذلك صراحة)، والتوجه نحو القبول بقيام دولة فلسطينية بحدود يتم التوافق عليها، بدلا من الدولة ذات الحدود المؤقتة (التي رفضت من قبل الفلسطينيين).
لكن هذه الحدود لن يجري التعاطي معها إلا كاتفاق رف، إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي لمختلف القضايا، وبذلك يتم تلبية المطلب الإسرائيلي بشأن الحدود المؤقتة، والمطلب الفلسطيني بشأن حل الرزمة الواحدة.
وبديهي أن هكذا اتفاق سيؤجل البتّ بمستقبل القدس الشرقية، وبكيفية حل قضية اللاجئين، لكن هذا التأجيل المرفوض فلسطينيا، يمكن أن يجري التحايل عليه، بالتوصل إلى توافق على نقاط عامة للحل ترضي الطرفين، وتؤجل الاشتباك بينهما، لصالح التركيز على مجرد إقامة كيان فلسطيني.
من كل ذلك يبدو أن مختلف الأطراف، وخصوصا إسرائيل، تقف في نقطة الحسم بالنسبة لعملية التسوية، والمرجّح أن تسير إسرائيل في هذه العملية، بحيث نصبح أمام مرحلة انتقالية للتسوية، مرة أخرى!
