73 يوماً أمضاها سعد الحريري زعيم تيار المستقبل اللبناني في البحث والتشخيص لتشكيل حكومة وحدة وطنية ترضي جميع الأطراف، ولكنه لم يفلح في إرضاء المعارضة. رفضت حكومته المقترحة بعد قيامه بتوزيع الحقائب واختيار أسماء 30 وزيراً.. فما كان منه إلا أن اعتذر، ليتفجر التوتر الذي كان يبدو خفياً وحبيساً.

الحريري الذي يرأس أكبر كتلة في البرلمان وهو الصوت الرئيسي للأغلبية، تعهد منذ البداية أمام اللبنانيين بالعمل على تأليف حكومة وحدة وطنية تعكس نتائج الانتخابات.

وقال انه عمل على مدى 73 يوماً لتحقيق هذا الهدف، وانه على قناعة بأن الضرورة تقتضي حكومة ائتلاف وطني من أجل مصلحة لبنان. طوى تياره على حد تعبيره قيام حكومة من لون واحد واتفق على مد اليد للتعاون الجماعي وعلى صيغة أخذت من الأكثرية حقها بالنصف زائد واحد.

ثم برر اعتذاره بأنه اصطدم بحائط مسدود. وبعد اعتذاره مباشرة قال البعض انه يرغب في إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة. المقربون منه يقولون انه أراد من خلال تخليه عن التكليف الأول وتأكده من إعادة تكليفه.. ان يتمكن من تغيير قواعد اللعبة.

سواء أكان الحريري مكلفاً أم غيره، فلا مفر من أن تكون الحكومة المقبلة.. وطنية، تجمع كل الصفوف. الحريري نفسه يؤمن بذلك منذ فوز تياره بالانتخابات. قال وقتها «علينا أن نمد أيدينا لبعضنا وأن نشمر عن ساعدينا ونعمل سوياً لمصلحة لبنان».

وترجم القول بالفعل وقتها أيضاً عندما التقى بالأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وتعهد بأنه على استعداد للعمل مع كل الأطراف اللبنانية لإنعاش وتنشيط البلاد سياسياً واقتصادياً. وقبل ذلك قال ان سلاح حزب الله لا يمكن أن يعالج إلا بالحوار.

الأغلبية ترى أن الحريري قدم تضحيات للرئيس ميشال سليمان وتم منح المعارضة معظم الوزارات الخدمية.

والمعارضة ترى كما قال ممثل حزب الله في الحكومة ووزير العمل في حكومة تصريف الأعمال محمد فنيش أن الأغلبية تضيع الوقت، وأنه لا مفر من حكومة وحدة وطنية مهما حصل وطالبت بالتفتيش عن حلول وعدم المكابرة وإبداء المرونة، مؤكداً أنه لا يمكن تأليف حكومة من دون شراكة مع المعارضة وهي تريد أن تكون شريكة فعلية بالثلث زائد واحد في شكل مباشر أو غير مباشر، وصيغة الـ (15ـ 10ـ 5) كانت الحد الأدنى الذي يجمع الجميع.

بالطبع يظل أكثر المتخوفين من تفاقم الأزمة هو الشعب اللبناني بشتى طوائفه الذي ظل يترقب وعينه على مستقبل غير معتم ينتهي فيه صراع الأغلبية والأقلية أو صراع قوى 14 آذار و8 آذار الذي ان استمر فلن يقتصر على طلقات أسلحة الخطابة والتصريحات النارية المتبادلة.. بل قد ينذر بما هو أسوأ.

وهذا ما أشار إليه حملة الأقلام في بيروت في حينه. فعلى سبيل المثال، اعتبر رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» اللبنانية إبراهيم الأمين ان «نتيجة اعتذار الحريري غير قابلة للصرف إلا في سوق التوترات على الأرض.. وهو أمر إذا حصل، فسوف يأتي على كل شيء».

وترى الأقلام المقربة من المعارضة أن الحريري باعتذاره ترك الأمور مفتوحة على شتى الاحتمالات وأخطرها، والأزمة السياسية المفتوحة مع ما يمكن ان تستجلبه من خطاب سياسي طائفي مذهبي متشدد ينعكس سلباً على الشارع في ظل مؤشرات استوجبت من المؤسسة العسكرية إعادة تشديد إجراءاتها، خاصة في بعض المناطق الحساسة في العاصمة والمناطق.

يمكن القول أيضاً ان لا مصلحة لأحد لا في لبنان ولا في الخارج كما أشار أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت كريم مقدسي ان تعود المعارك إلى الشوارع، كما حدث بعد حالة الفراغ في سدة الرئاسة قبل عامين عندما رحل الرئيس إميل لحود..

وشهدت البلاد وقتها أزمة كان من نتيجتها اندلاع معارك بين أنصار الأقلية والأكثرية أودت بحياة أكثر من مئة شخص. المطلوب الآن عدم الإبقاء على الحائط مسدوداً للخروج من الأزمة بلا رجعة.

إضاءة

بعد 24 ساعة من اعتذار الحريري عن تكليفه الأول بتشكيل الحكومة، أعلن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري تمديد مفاعيل «صيامه» عن الكلام في الشأن الحكومي، مبرراً ذلك بأن «تعثر تأليف الحكومة الذي أوصل إلى الاعتذار كان من أسباب صيامه، ولا مبرر للإفطار بعد».

وأكدت مصادر معارضة قريبة من بري أنه «صائم عن الكلام لا عن الحركة السياسية»، مشيرة إلى أن دور بري الآن ـ مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان وزعيم الحزب الاشتراكي التقدمي وليد جنبلاط ـ هو احتواء تداعيات الاعتذار. غير أن هذه المصادر أكدت مجدداً أنه «ما لم يكن هناك تحرك سوري- سعودي، حده الأدنى إنقاذ الوضع في لبنان، ستبقى الأمور رهن المفاجآت».

حسن صابر