يظل السادس والعشرون من سبتمبر عام ,1960. أهم حدث سواء في تاريخ الإعلام الأميركي أو حملات انتخابات الرئاسة الأميركية.

ففي ذلك اليوم، تابع الأميركيون لأول مرة مناظرة تلفزيونية بين مرشحي الرئاسة الأميركية.. جون كيندي مرشح الحزب الديمقراطي، وريتشارد نيكسون مرشح الحزب الجمهوري.

لم يحدث من قبل أن شهد الأميركيون مثل هذه المناظرة. من يومها صارت المناظرات التلفزيونية التي تجرى مرة كل أربع سنوات أهم معالم الحملة الانتخابية لكل مرشح، بل من خلالها يمكن أن نستشف من هو الأجدر بالفوز في معركة الرئاسة. وغالبا ما تنتهي المناظرة فتأتي نتيجة المعركة مبكرا قبل التصويت، فيقال هذا هو الفائز لنجاحه في المناظرة وذاك هو الخاسر لتعثره.

هناك شبه إجماع على أن المناظرة الأولى التي جرت في 26 سبتمبر 1960 ساعدت المرشح الديمقراطي جون كينيدي على التقدم على الجمهوري ريتشارد نيكسون. في تلك المناظرة، ظهر نيكسون شاحب اللون ولم يحلق ذقنه بعد خروجه من المستشفى.

في حين كان كيندي الوجه الجديد الصاعد هادئا مرتاحا ومنفرج الأسارير وقد لوحت السمرة محياه بعد عودته من حملة استمرت أياما في كاليفورنيا. وعندما كان يتناوب على الكلام كان ينظر بشكل منهجي إلى الكاميرا وليس إلى الصحافي الذي كان يطرح عليه السؤال كما فعل نيكسون.

ويقول هال برونو رئيس وحدة تغطية الانتخابات في شبكة تلفزيون (ايه.بي.سي) الأميركية أن جزءًا من خسارة نيكسون يرجع إلى أنه بدا سيئا للغاية أمام كاميرات التلفزيون؛ لأنه كان غارقاً في العرق.

فنيكسون الذي كان واثقاً من الفوز والمنهك من لقاءات مؤيديه توجه إلى المناظرة بعد أن تحدث إلى بعض الناخبين في كاليفورنيا، ولم يجد وقتاً لوضع الماكياج المناسب على وجهه، وعندما بدأ يتصبب عرقاً، بدأ الماكياج يسيل على وجهه مما أظهره في شكل المرتبك والمرهق جداً على شاشات التلفزيون الأبيض والأسود أيامها.

وفي المقابل، بدا كيندي هادئا ومتماسكا. ويقال أنه رغم أن مضمون المناظرة بالنسبة للذين لم يشاهدوها على التلفزيون وإنما استمعوا إليها عبر الراديو.. كان لصالح نيكسون، إلا أن استطلاعات الرأي جاءت لصالح كيندي، وكان التأثير الأكبر في ذلك للصورة التلفزيونية، وليس للصوت الذي سمعه البعض عبر الراديو.

وهناك نوادر عن تلك المناظرات، منها المناظرة الثانية بين جيمي كارتر وجيرالد فورد في 6 أكتوبر 1976، فقد ارتكب الرئيس فورد هفوة ولم يستطع إصلاحها بتأكيده انه «لا يوجد أي هيمنة سوفييتية في أوروبا الشرقية».

وخسر فورد بالطبع ليس بسبب المناظرة ولكن بسبب «ووترغيت» التي أطاحت بسلفه نيكسون الذي كان فورد نائبا له ولم يجلس على المكتب البيضاوي كرئيس منتخب. والمناظرة بين كارتر ورونالد ريغان في 28 أكتوبر ,1980.

لا ينساها الإعلاميون والسياسيون. فالممثل السابق رونالد ريغان كشف موهبته كمعلق كبير في تلك المناظرة قبل أسبوع فقط من الانتخابات. سأل وهو ينظر مباشرة إلى المشاهدين: «هل تشعرون بأنكم أفضل مما كنتم عليه قبل أربع سنوات؟!».

أما بالنسبة للمناظرة بين ريغان والمرشح الديمقراطي وولتر مونديل في 21 أكتوبر 1984 فقد كان الرئيس ريغان وقتها في الثالثة والسبعين من عمره لكنه جعل من هذا العائق ميزة لصالحه.

فقال آنذاك «لن أحول السن إلى موضوع حملة ولن استغل لأسباب سياسية شباب وعدم خبرة خصمي».

وفاز ريغان بفترة رئاسية ثانية. وهناك المناظرة بين جورج بوش الأب والديمقراطي مايكل دوكاكيس في 13 أكتوبر 1988.

فقد فوت المرشح الديمقراطي الملقب «برجل الثلج» الفرصة لإبداء مشاعر التأثر. وردا على السؤال : «إذا تعرضت زوجتك كيتي للاغتصاب والقتل هل ستؤيد عقوبة الاعدام للقاتل؟ اجاب دوكاكيس ببرودة «لا» قبل ان يستطرد بذكر احصاءات حول الجريمة في ولايته ماساشوسيتس.

وللمرة الاولى تقاسم ثلاثة مرشحين إلى البيت الابيض المناظرة هم: بيل كلينتون وجورج بوش الأب مع المستقل روس بيروت الذي سيطر على الوضع، فباسلوبه المباشر تميز بيروت بشكل لافت مع الأسلوب الطنان للرئيس بوش. أجاب بوش عندما سأله عن موضوع الخبرة «الخبرة؟

نعم اقر بأنني لا أملك الخبرة اللازمة لتحميل البلاد دينا يزيد على أربعة مليارات دولار.. على العكس إذا كان الأمر يتعلق بفعل شيء ما بدلا من الاكتفاء دائما بالكلام، فهذه تجربة املكها». وحصد بيروت بعد ذلك حوالي 19% من الأصوات. ولم يحصل أي مرشح مستقل على هذه النسبة من الأصوات قبل ذلك.

وهناك المناظرة بين آل غور الذي كان نائبا للرئيس كلينتون وجورج بوش الابن في الثالث من أكتوبر 2000. فقد أثار غور سخط المشاهدين بموقفه المتعالي من خلال إبراز معارفه وبتنهده بصوت عال في كل مرة لم ترق له أجوبة بوش الذي قال «إن كنا بلدا متغطرسا فسينظر إلينا كذلك لكن إن أبدينا تواضعنا فإننا سنحظى بالاحترام».

وآخر المناظرات قبل انتخابات 2008 التي فاز بها أوباما، كانت بين الديمقراطي جون كيري و بوش الابن في 30 سبتمبر و8 و13 أكتوبر 2004. الحديث بينهما كان محتدما في الغالب. وقال كيري آنذاك «الرئيس لم يعثر على أسلحة دمار شامل في العراق..فحول بالتالي حملته إلى سلاح للخداع الشامل».

إضاءة

الانتخابات الرئاسية الأخيرة، شهدت ثورة في استخدام الإنترنت إلى جانب المناظرات التلفزيونية، فقد صارت شبكة الإنترنت وسيلة سياسية فعَّالة بالنسبة للحملات الانتخابية، وجمع الأموال، وانخراط المجتمع المدني فيها.

والولوج إلى الشبكة العنكبوتية ليس ظاهرة جديدة على الإطلاق في الولايات المتحدة. فابتداءً من منتصف التسعينات، حاز الملايين من الأميركيين فرصَ الوصول إلى شبكة الإنترنت، والمهارات التكنولوجية المرافقة، سواء أكان ذلك في البيت، أم في العمل، أم في المدرسة.