منذ البداية كان ثمة قراءات إسرائيلية مختلفة ومتباينة لاتفاق أوسلو، الموقع مع الفلسطينيين (1993). فمن جهته رأى حزب العمل في هذا الاتفاق فرصة لإسرائيل تخلصها عبء الاحتلال، وتحرّرها من الخطر الديمغرافي الفلسطيني، وتحسّن صورتها الخارجية، وتعزز هويتها كدولة يهودية، وتصون نظامها الديمقراطي.
كما رأى فيه فرصه تمكن إسرائيل من مواكبة مسارات العولمة، بالتركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا، بدلا من الجغرافيا، ومسايرة الترتيبات الأميركية في المنطقة وتطبيع العلاقات مع المحيط العربي، وفق مشروع الشرق الأوسط الكبير.
لكن افتراق هذا الحزب في رؤيته للاتفاق المذكور، عن القوى اليمينية والمتطرفة في إسرائيل، لا يعني توافقه مع الرؤية الفلسطينية، فثمة رؤية خاصة به لعملية التسوية، لا تعترف بحقوق الفلسطينيين بأرضهم ووطنهم، ولا بحق العودة للاجئين، وترى في الأرض المحتلة أرضا متنازعا عليها.
وقد لعب هذا الحزب دورا كبيرا بتقويض اتفاق أوسلو، بعد أن رأى أن الفلسطينيين لا يتجاوبون مع املاءاته بشأن التسوية؛ وضمنها شطب حق العودة، ومصادرة أجزاء من أراضيهم لاسيما في القدس، وتحقيق التطبيع قبل إنهاء الاحتلال الأراضي. ومعلوم أن اسحق رابين رئيس الحكومة وزعيم حزب العمل الأسبق هو صاحب فكرة أن «لا مواعيد مقدسة في التسوية»، وهو الذي ابتدع فكرة التمييز بين المستوطنات الأمنية والمستوطنات السياسية.
باراك ومفاوضات الحل النهائي
وعندما جاء ايهود باراك إلى رئاسة الحكومة وزعامة حزب العمل (19992001) تهرب من مفاوضات الحل الانتقالي إلى التفاوض على قضايا المرحلة الأخيرة، وهو ما جرى في مفاوضات كامب ديفيد2 (2000).
وتبين أن هذا الانتقال مجرد مناورة لإحراج الفلسطينيين وفرض الاملاءات الإسرائيلية عليهم في قضايا اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود. وبعد أن رفضت القيادة الفلسطينية هذه الاملاءات اعتبرها باراك إنها ليست ذات صلة، وأنها غير مؤهلة للتسوية، ثم أعطى الإذن لأريئيل شارون لزيارة المسجد الأقصى ما أدى إلى اندلاع الانتفاضة (أواخر العام 2000).
ثم إن باراك نفسه هو صاحب فكرة مواجهة الانتفاضة بأقصى قدر من القوة، وكأنه ليس ثمة عملية تسوية. أما شمعون بيريز فكان كل همه من اتفاق أوسلو ربط إسرائيل بالإستراتيجية الأميركية إزاء المنطقة، والمساهمة بإقامة نظام شرق أوسطي، وتخليص إسرائيل من الخطر الديمغرافي للحفاظ على طابعها كدولة يهودية.
هكذا فإن حزب العمل كان يريد فقط الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية صهيونية مرتبطة بالإستراتيجية الأميركية في المنطقة، ولو بثمن الانسحاب من أراض فلسطينية، وفق شعار «أرض أكثر وفلسطينيون أقل»، أو «نحن هنا وهم هناك».
مقابل ذلك فإن حزب الليكود، وباقي القوى اليمينية المتطرفة، اعتبرت هذا الاتفاق كارثة على إسرائيل، واعتبرت انه يقوض الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي، ويظهرها كدولة ضعيفة، في المنطقة، ما يهدد مكانتها على الصعيدين الدولي والإقليمي.
ورأى الليكود أن عملية التسوية تفتح المجال لخلق مسار من التهديد والقضم التدريجي لإسرائيل يبدأ بقيام دولة للفلسطينيين.
واعتبر قادة حزب الليكود أن إسرائيل القوية، والتي تحافظ على علاقتها بالدول الغربية، ليست بحاجة للدول العربية، ولا حتى من الناحية الاقتصادية، وأن إسرائيل هذه بوسعها فرض التسوية التي تريد على العرب بدون الخضوع لهم. أما بالنسبة للفلسطينيين فيمكن إقامة حكم ذاتي لهم في إطار من السيطرة الإسرائيلية، أو وفق نظام من التقاسم الوظيفي مع بعض الدول العربية.
لذلك فقد ركز حزب الليكود على فرض الوقائع بالاستيطان والجدار الفاصل، كما ركز على فرض السيطرة على الفلسطينيين بالقوة.
إضاءة
من قبيل الإنصاف الحديث عن تيار آخر، يناقش قضية الفلسطينيين من زاوية مختلفة، تتعلق بحقهم بتقرير المصير، تأسيسا على قيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان، متحرّراً من اعتبارات الصهيونية وادعاءاتها، السياسية والأيدلوجيةـ الخرافية والواقعية.
ويعتقد هذا التيار بأن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، في دولة مستقلة، ليس منّة من إسرائيل، وإنما هو حق ينبغي أن يتمتع به الشعب الفلسطيني، بغض النظر عمن يقوده.
