بغض النظر عن مواقف الفلسطينيين، وخلافاتهم، وانقساماتهم، وتقييم مدى قابليتهم للتسوية مع إسرائيل، أو مناهضتهم لها، فإنه يمكن القول ان إسرائيل (سواء كانت في ظل حكومة العمل أو كاديما أو الليكود)، هي التي عملت على التملص من هذا الاتفاق، وتقويضه على مدى الأعوام الستة عشر عاما الماضية؛ على الرغم من كل الاجحافات المتضمنة فيه بالنسبة لحقوق الفلسطينيين.
وبمعنى آخر فإن هذا الاتفاق تضمن، منذ البداية، عوامل فشله، كونه شكل، في معطياته، ونصوصه، واستنتاجاته، استجابة لإملاءات إسرائيل (وهي الطرف المحتل) أي لمصالحها وحساباتها السياسية وحساسياته الأيدلوجية/الدينية، على حساب الطرف الأخر وحقوقه. أما كيف استطاع إسرائيل تقويض اتفاق أوسلو، وتفريغ عملية التسوية مع الفلسطينيين من مضمونها، فيمكن متابعته في الجوانب التالية.
شروط أوسلو المجحفة
كما هو معلوم فإن إسرائيل، في ظل حكومة رابين (زعيم حزب العمل آنذاك)، حرصت، منذ البداية، على توقيع هذا الاتفاق مع قيادة منظمة التحرير بناء على الأسس والشروط التالية:
1ـ اعتراف قيادة المنظمة بإسرائيل، مقابل اعتراف إسرائيل بهذه بالمنظمة. وبديهي أن بونا شاسعا بين هذا وذاك، فالاعتراف الأول له معان قانونية وسياسية وأمنية وتاريخية وأخلاقية واضحة، في حين أن الاعتراف الثاني هو اعتراف ناقص، ومبهم، من النواحي القانونية والسياسية والجغرافية، فليس ثمة هنا اعتراف كامل بالشعب الفلسطيني، وبحقه في تقرير المصير، وليس ثمة تحديد إقليم معين لهذا الشعب يمارس فيه تقرير مصيره.
2ـ اعتماد عملية المفاوضات كمرجعية لذاتها، بمعنى أن التوافق بين طرفيها هو أساس العملية؛ عوضا عن اعتماد قرارات الأمم المتحدة. ومن البديهي في ذلك أن تتحكم إسرائيل، من موقعها القوي والمسيطر، بمسارات العملية التفاوضية، وقضاياها، وأولوياتها، ونتائجها، فهي التي تقرر ما تعطيه وما لا تعطيه، وما تبحثه أو ما لا تبحثه في المفاوضات؛ خصوصا أنها تحظى بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، التي باتت راعية ما يسمى عملية السلام.
3ـ تقسيم العملية التفاوضية، بشأن التسوية مع الفلسطينيين، إلى مرحلتين انتقالية ونهائية، الأولى ومدتها خمسة أعوام، وتخصص لإقامة حكم ذاتي انتقالي، والثانية تتعلق بالتفاوض على قضايا الحل النهائي (القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات والترتيبات الأمنية)، وهي القضايا التي ينتج عنها انتهاء الصراع بين الطرفين.
وقد بررت إسرائيل ذلك بدعوى إجراءها اختبار ثقة للفلسطينيين، وترتيب أوضاعها على المستوى الداخلي.
وقد تبين أن هذه الادعاءات إنما هي محاولة للتورية على محاولات إسرائيل التحايل على عملية التسوية، والتملص من استحقاقاتها، وفرض أكبر قدر من الاملاءات على الفلسطينيين، بفعل الأمر الواقع.
4ـ تحلل العملية التفاوضية من أي جدول زمني، على المستويين التفاوضي والتطبيقي. ومعلوم أن اسحق رابين (رئيس الوزراء الإسرائيلي وزعيم حزب العمل الأسبق) بالذات، هو الذي ابتدع مقولة ان «لا مواعيد مقدسة للتسوية». هكذا لا أحد يعرف متى تنتهي المفاوضات الانتقالية أو النهائية، وبديهي أن لا أحد يعرف متى يتم تطبيق ما يتم الاتفاق عليه!
وهكذا أيضا لم يستطع الفلسطينيون إقامة كيان ناجز، ولو على مستوى حكم ذاتي، بعد ستة عشر عاما على اتفاق أوسلو، وحتى موضوع الاستيطان فإن إسرائيل تتملص من مجرد تجميد مؤقت له، فما بالك على التقرير بقضايا الحل النهائي، ولاسيما التقرير بقضيتي حق العودة للاجئين ومستقبل القدس.
5ـ منذ البداية رفضت إسرائيل تعريفها بكونها دولة احتلال، وتاليا لذلك فهي رفضت، أيضا، تعريف الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع باعتبارها أراضا فلسطينية محتلة، ونجحت بتأجيل موضوع الاستيطان، وعدم البت بعدم شرعيته؛ وبذلك استطاعت إسرائيل أن تطرح الأمر وكأنها لديها حقا تاريخيا ودينيا بهذه الأرض، أو تصويره وكأنه صراع بين حقين وشعبين على الأرض ذاتها.
6ـ ارتهان المفاوضات لاعتبارات إسرائيل وتبدلات حكوماتها، وكأن هذه المفاوضات تجري بين الإسرائيليين أنفسهم، وليس مع طرف آخر! هكذا ضيع نتانياهو ثلاثة أعوام من عمر التسوية، بعد أن شكل الحكومة الإسرائيلية، إثر سقوط حكومة حزب العمل (19961999).
وهكذا جمد باراك التسوية الانتقالية بدعوى الذهاب للتفاوض على قضايا الحل النهائي، ما أدى إلى اندلاع الانتفاضة اثر فشل مفاوضات كامب ديفيد2 (يوليو2000). وهكذا تم تقويض اتفاقات أوسلو في عهد شارون (20002005) ومعاودة احتلال مناطق السلطة، وطرح فكرة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة (2005).
وهكذا، أيضا، تم تضييع سنتين من عمر التسوية في عهد حكومة أولمرت، ومزاعم مسار انابوليس، وها نحن نقف اليوم أمام ما تفعله أو لا تفعله حكومة نتانياهو الثانية بشأن الاستيطان والتسوية!
7ـ فوق كل ذلك فقد رفضت إسرائيل توضيح ماهية التسوية أو المآل النهائي لها، بالنسبة للفلسطينيين، وتركت صيغة الاتفاق غامضة وملتبسة وحمالة أوجه، بدعوى الغموض البناء، أو تبين ما يمكن أن تجنيه إسرائيل من مكاسب.
تملصات إسرائيل من التسوية
وعلى رغم كل هذه الشروط، واختلال موازين القوى لصالحها، وعلى رغم قبول الفلسطينيين بالتنازل عن كامل أرضهم لصالح قيام دولة لهم بالضفة الغربية وقطاع غزة، فإن إسرائيل عملت، كما قدمنا، على التملص من استحقاقات اتفاق أوسلو، (حتى على مستوى الحل الانتقالي).
فمنذ لحظة توقيعها اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين (1993)، تعمدت إسرائيل التملص من الاستحقاقات المطلوبة منها في هذه العملية، بحيث أن الفلسطينيين لم يسيطروا إلا على حوالي 40% من أراضي الضفة الغربية، بصورة مباشرة وغير مباشرة، طوال المراحل التفاوضية السابقة.
ويمكن ملاحظة ذلك تحديدا في الوقائع التالية:
1ـ عند توقيع اتفاق أوسلو كان ثمة 200 ألف مستوطن في الضفة الغربية (بما فيها القدس) واليوم فقد بلغ عدد المستوطنين في هذه الأراضي حوالي 500 ألف، مع كل ما يتبع ذلك من مصادرة للأراضي (لأغراض الاستيطان والطرق الالتفافية والأمن والبني التحتية) والاستحواذ على القسم الأكبر من الثروة المائية، والتضييق على حياة الفلسطينيين.
فضلا عن أن كل ذلك يخلق واقعا جديدا في الضفة الغربية تحاول إسرائيل أن تستفيد منه للضغط على الفلسطينيين في القضايا المطروحة على المرحلة الأخيرة من المفاوضات، لاسيما بشأن جلب اكبر قدر من التنازلات منهم بشأن قضايا اللاجئين والقدس والحدود (وهو ما تم الكشف عنه في مواقف حكومة باراك إبان مفاوضات كامب ديفيد 2 التي جرت صيف العام 2000).
2ـ لم تسهّل إسرائيل البتة عملية إقامة كيان فلسطيني في الضفة والقطاع، فهي لم تسهل عمل السلطة، وظلت تسيطر على المعابر بين الضفة وغزة وكل من مصر والأردن، كما لم تسهل عمل الممر الآمن بين الضفة والقطاع، ولم تتح المجال لتطوير مرافق السلطة (المطار ـ الميناء).
كما أنها ظلت تسيطر على واردات وصادرات الأراضي المحتلة، وفي كل ذلك فقد شوهت إسرائيل السلطة، وخلقت احراجات كثيرة لها أمام شعبها، ما كان ثمنه تدهور مكانة فتح في المجتمع الفلسطيني وصعود حركة حماس، وصولا إلى الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية.
3. استغلت إسرائيل اندلاع الانتفاضة (التي جاءت أواخر العام 2000 كردة فعل على تملصاتها وأنشطتها الاستيطانية) كي تجرد حملة عسكرية ضخمة، دموية ومدمرة ضدها، وكي تظهر الفلسطينيين باعتبارهم غير مؤهلين للتسوية، ولا يمكن الثقة بهم في هذه العملية، وكي تظهر قيادتهم باعتبارها داعمة للإرهاب، وكل ذلك لتبرر تملصاتها وتهرباتها من عملية التسوية.
4ـ قامت إسرائيل، بدعوى الانتفاضة بخطوتين نوعيتين، أسهمتا بتقويض اتفاق أوسلو، وإفراغ عملية التسوية من مضمونها، الأولى وتمثلت ببناء الجدار الفاصل والثانية وتمثلت بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وحصاره وتحويله إلى معتقل كبير لمليون ونصف مليون من الفلسطينيين.
5 ـ قزّمت إسرائيل عملية التسوية إلى مجرد معركة على الاستيطان وعلى العقارات، لتغطية واقع وجودها الاحتلالي في الأراضي المحتلة، وطمس طابعها كدولة استعمارية تسيطر على حياة الفلسطينيين؛ وهي تسعى اليوم للتعويض عن ذلك بتجميد مؤقت للاستيطان، وتحقيق نوع من الرفاه الاقتصادي للفلسطينيين، كبديل عن إنهاء الاحتلال.
ويمكن الاستنتاج من ما تقدم، وبحسب التجربة التفاوضية، بأن إسرائيل هي التي قوّضت هذه العملية، وتملصت من استحقاقاتها (أكثر بكثير من الفلسطينيين)؛ على خلاف الانطباع السائد عربيا، بأن إسرائيل تلهث وراء التسوية، وأن هذه التسوية (على علاتها) مطلب إسرائيلي، ما يؤكد الطابع الملتبس والإشكالي للموقف الإسرائيلي، من هذه القضية.
وعلى كل فإن الأسابيع القادمة ربما تكشف لنا عن المزيد مما في جعبة إسرائيل للتلاعب بعملية التسوية، والتطويح بها، أو تطويعها بحسب مصالحه ورؤاها.
إضاءة
لم تسهّل إسرائيل البتة عملية إقامة كيان فلسطيني في الضفة والقطاع، فهي لم تسهل عمل السلطة، وظلت تسيطر على المعابر بين الضفة وغزة وكل من مصر والأردن، كما لم تسهل عمل الممر الآمن بين الضفة والقطاع، ولم تتح المجال لتطوير مرافق السلطة (المطار ـ الميناء).
كما أنها ظلت تسيطر على واردات وصادرات الأراضي المحتلة، وفي كل ذلك فقد شوهت إسرائيل السلطة، وخلقت احراجات كثيرة لها أمام شعبها، ما كان ثمنه تدهور مكانة فتح في المجتمع الفلسطيني وصعود حركة حماس، وصولا إلى الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية.
ماجد كيالي
