كان ذلك في عام 2006. وكان المكان هو أوسلو عاصمة النرويج.. أما المناسبة فكانت منح جائزة نوبل الدولية الرفيعة مناصفة ـ ولأول مرة في تاريخ الجائزة العالمية - لا بين شريكين من العلماء أو المفكرين أو الفنانين المبدعين.. بل كانت الجائزة ممنوحة بين طرفين هما: رجل.. وبنك! كان الرجل هو «محمد يونس» وكان البنك يحمل اسم «مصرف غرامين».

يومها.. لحظتها تقدمت سيدة مسلمة من بنغلاديش.. متقدمة في العمر.. لم تخرج في حياتها بعيدا عن نطاق قريتها الفقيرة الوادعة في أرياف البنغال.. وتسلمت نصف الجائزة الرفيعة باسم بنك غرامين.. وفي نفس الوقت امتدت يد عالم الاقتصاد الأسمر محمد يونس البالغ وقتها من العمر 61 عاما ليحصل على النصف الآخر من نوبل تقديرا وعرفانا على أنه صاحب الفكرة ومؤسس «غرامين»: مصرفا رائدا فتح أبوابه ومارس نشاطاته لتصّب كلها في مصلحة الفقراء كي يتحول بهم ـ وبخاصة نساء بنغلاديش المسلمات ـ من ربقة المسغبة وسطوة الاحتياج والحرمان إلى حيث أصبح عملاء «غرامين» أصحاب مشاريع اقتصادية وممارسين للأعمال الحرة - Entrepreneurs كما يقول المصطلح الاقتصادي الإنجليزي.

صحيح أنها كانت أعمالا صغيرة وربما بسيطة.. إذ قامت بفضل نوع مستحدث من السلفيات حمل، ولا يزال يحمل في أدبيات الأمم المتحدة شعار «المايكروكردت» بمعنى القروض المتناهية الصغر..

ولكن جدوى هذا الأسلوب من التعامل مع الفقراء ومن التصدي لآفة الفقر وخاصة في دواخل الأرياف القصّية شبه المنسية والمناطق النائية..

صار أمرا مرموقا ومحمودا لأنه جاء ليترجم الحكمة الإنسانية المتواترة التي تقول ببساطة ما يلي: ليس يكفي أن تُحسن على السائل بإعطائه بسمكة.. الأفضل أن تعلمه حرفة الصيد حتى يكفّ نفسه بعدئذ عن ذلّ السؤال.

عن البروفيسور يونس

والحق أن الفضل في هذه الأفكار الجريئة وفي بساطتها، والمتوثبة في ريادتها يرجع إلى محمد يونس شخصيا.. ابن الصائغ ؟ الجواهرجي في مدينة شيتاجونج في شرقي البنغال.. الذي تعلم من أمه ؟ صفية خاتون معنى الإحسان إلى الناس وفضيلة البر بالفقراء والمحتاجين.

صحيح أن الفتى محمد يونس ذهب مبعوثا للدراسة العليا في جامعات الولايات المتحدة، وصحيح أن كان بوسعه أن يحيا حياة رغدة هانئة أستاذا لعلم الاقتصاد في أميركا بعيدا عن مشاكل بنغلاديش ومعاناة شعبها.. لكن الأصحّ أن البروفيسور يونس قرر العودة إلى وطنه الأم.. والتحق بالسلك الأكاديمي ليصبح رئيسا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج.. ويتعايش ملتحما مع آلام شعبه وبخاصة تلك القطاعات المنسية من فقراء الريف.

ثم جاء عام 1974 ليشكل مرحلة فاصلة في حياة وفكر الأستاذ المسلم الشاب: وقتها كانت سنة في غاية الصعوبة.. ما بين أنواء الطبيعة وتقلبات الطقس القاسية وفشل مواسم الحصاد الزراعية وتفاقم أزمات الفقر.. يومها أيضا تكاملت رؤية محمد يونس في دعوته منظومة الجهاز المصرفي في بلاده كي تقوم بدورها في هذا المضمار للتخفيف عن معاناة الفقراء ولخص تصوراته في دعوة جهر بها وتقول بما يلي: ليس الحل إعطاء الفقراء إعانات من باب الإحسان..

ولا تحويلهم الى مجرد سائلين ينتظرون عطايا المحسنين. وتقول أيضا: الحل هو تحويل الفقراء والفقيرات الى منظمي مشاريع.. أصحاب أعمال.. مهما كان حجم أو رؤوس أموال هذه الأعمال.

وتقول كذلك في إيجاز شديد: الحل هو.. إقراض الفقراء.

يومها ـ تقول مصادر شتى ـ أوسعوا البروفيسور وأفكاره ورؤاه ودعوته وابلا من الانتقاد الى حدّ السخرية التي كان مصدرها بالذات مديري المصارف في بنغلاديش وربما في أوساط دولية من خارج حدودها.

معارضة مصرفية

يومها ارتفعت عقائر هؤلاء وأولئك تقول: لا يجوز إعطاء الفقراء قروضا.. أولا ليس لأي منهم تاريخ أو سابقة التعامل مع البنوك.. ثانيا لا يملك الفقير أية أصول تشكل ضمانا موازيا للقرض.. ثالثا كيف نضمن سداد الفقراء أقساط القروض في مواعيدها.. رابعا.. وخامسا الى آخر التعلاّت البنكية التي ساقوها كي تقتصر القروض على الميسورين ليزدادوا غنيً فيما يزداد الفقراء مسغبة وعوذا وحرمانا.

في مواجهة هذا كله شمّر محمد يونس عن ساعد البحث العلمي. وفي عام 1976 كان الرجل مسؤولا عن برنامج الاقتصاديات الريفية بالجامعة، يومها أطلق مشروعا بحثيا يهدف الى إمكانية تصميم نظام مصرفي لإقراض الفقراء بشكل عام وفقراء الريف بشكل خاص.

وفي إطار هذه الجهود وُلدت فكرة إنشاء «بنك القرية» أو مصرف الأرياف. ولأن معنى القرية والريف في اللغة البنغالية هو «غرامين».. فقد حملت المؤسسة ـ الهدف اسمها الذي ذاع في أرجاء العالم: بنك غرامين.

وهكذا اتخذت جذور المشروع الطموح مهدها الأول في قرية جوبرا المتاخمة للجامعة حيث عمل البروفيسور محمد يونس ومنها امتدت الأنشطة الوليدة الى القرى الصغيرة ؟ الفقيرة المجاورة خلال الفترة 1976 ـ 1979، السنة التي شهدت تطورا جذريا لصالح مصرف الفقراء الريفيين.

حيث وافق البنك المركزي في بنغلاديش ومعه عدد من المصارف التجارية على تبني المشروع الوليد، الذي ما لبث أن نضج وتطور إلى أن جاء شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1983 ليتحول المشروع إلى بنك مستقل صدر به قانون خاص من حكومة دكا، ليواصل البنك المذكور دعم سكان الأرياف إلى حيث ينتشلهم من براثن الفقر، ويفسح أمامهم سبيلا للأمل والاعتماد على النفس، ولدرجة بلغت معها معدلات سداد القروض ـ في حالة نساء الريف بالذات ـ درجة عالية ومرموقة من الأمانة والالتزام وحسن الأداء.

من هنا جسدت عمليات المايكرو قروض ؟ المتناهية الصغر كما أسلفنا فلسفة أثبتت ما يلي: إنها قوة تحرير لا يستهان بها، ولاسيما في المجتمعات التي تعاني فيها المرأة بالذات قيودا وعقبات لدرجة تفرض عليها أن تناضل ضد الظروف القمعية الاجتماعية ـ الاقتصادية المفروضة عليها باسم تعاليم الدين أحيانا وباسم أعراف المجتمع في أحيان أخرى.

ماذا بعد نوبل؟

هكذا جاءت جائزة نوبل العالمية التي تسلم محمد يونس براءتها في عام 2006 لتوسع إطار المنظور الذي يطلّ منه المفكر والأكاديمي المسلم على مشاكل عصره.. وبمعنى أن هذا المنظور بات يتجاوز ما أحرزه من نجاحات على مستوى بنغلاديش.. علما بأنه بدأ من قرية مجاورة للجامعة.. وانتقل ـ على استحياء كما قد نقول ـ الى قرى صغيرة وفقيرة مجاورة ومنها الى مناطق وأقاليم ومن ثم الى عموم بنغلاديش ذاتها.

لقد اتسعت نظرة يونس الى مشكلة الفقر. والأكيد أن جذور هذا الاتساع تشكلت مع إصدار الأمم المتحدة في قمتها المشهودة عام 2000 إعلانها الشهير الذي حمل العنوان التالي: الغايات الإنمائية للألفية. وجاء في صدر هذه الغايات هدف بارز يقضي بالعمل على تخفيض حالة الفقر في العالم الى النصف بحلول عام 2015 القادم ؟ هل نقول الوشيك؟

عن الكتاب.. والمقال

لم يكن صدفة إذن أن يصدر «محمد يونس» بالتعاون مع زميله «كارل فيبر» كتابا مهما في عام 2008 تحت العنوان الواعد التالي: نحو عالم خال من الفقر.

ومن هنا أيضا نتدارس في سطورنا الحالية أفكار وطروحات محمد يونس في أحدث مقال نشره مؤخرا واستوحى مقولاته من واقع الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تأخذ بخناق العالم، وحمل المقال عنوانا يقول:

الأمن الاقتصادي لعالم في أزمة.وبديهي أن يأتي المقال المنشور في فصلية أمريكية رصينة (وورلد بوليسي، عدد الصيف الحالي) بوصفه استطرادا لأفكار الكتاب الذي ألمحنا إليه، وكلاهما ـ المقال والكتاب ـ يعكس اتساع نظرة المُصلح البنغالي المسلم الى حيث تستوعب مشكلة الفقر في العالم بأسره، فما بالك والمشكلة تكاد تهدد بالتفاقم في غمار الأزمة الاقتصادية التي لاحت نذرها منذ صيف العام الماضي، بكل ما يعنيه ذلك من توحش لعنة الفقر في أكثر من موقع وقارة من عالمنا.

لهذا يبدأ يونس بالتسليم بأن النظام الرأسمالي يعيش الآن أزمة مستحكمة. ومع ذلك يبادر الرجل، محترسا أو محترزا، فيعلن أن ليس معنى هذه المناداة بنظام بديل ـ اشتراكي مثلا. لكنه يدعو في الوقت نفسه إلى أكثر من مراجعة متأنية وأمينة للتطبيق الرأسمالي، خاصة وقد بدأ القرن الحادي والعشرون بنظرة متفائلة إلى إمكانيات إصلاح أحوال العالم على نحو ما عبّرت عنه الغايات ـ الأهداف الإنمائية للألفية التي سبقت إشارتنا إليها.

بيد أن تطورات الأحداث منذ استهلال هذا القرن الجديد ما لبثت أن أقنعت محمد يونس، وهو الاقتصادي الضليع الفاهم، بأن نبرة التفاؤل هذه أصابها كثير من الوَهَن بعد أن تحقق بأن العالم لا يواجهه أزمة مالية وحسب بل هناك أيضا أزمات أسعار الطاقة وأسعار الغذاء فضلا عن تفاقم مشاكل البيئة وكلها تلقي بتبعاتها الجسام على كاهل فقراء عالمنا بالذات، وكلها تعبر بالتالي عن قصور النظام الاقتصادي السائد في عالمنا في المرحلة الراهنة.

وإذا كانت الطبيعة بكوارثها وتقلباتها قد أسهمت في مثل هذه المعاناة إلا أن البشر كان لهم نصيب لا يستهان به وخاصة في أزمة المال والعقارات التي ألمت بأمريكا على وجه الخصوص، فكان أن استمدت جذورها من نزعات الجشع والانفلات ورعونة التصرف غير المسؤول من جانب فئات المديرين والمسؤولين.

ولاسيما في بورصات المال والأعمال في وول ستريت بالولايات المتحدة، الذين تحولوا بالقروض والائتمانات من خدمة الناس.. أواسط الناس وفقرائهم الى خدمة أطماع الأفراد وهيمنة الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات عبر الوطنية..

فكان أن انفجرت فقّاعة التسونامي المالية في سوق العقارات في نيويورك وبحكم ظاهرة العولمة العابرة للحدود.. اتسعت شظايا هذا الإنفجار كما توضح مقالة الأستاذ محمد يونس حيث غطّت وأصابت بقاعا وأقطارا ومؤسسات ومصالح شتى في طول العالم وعرضه.

هذا التسونامي المالي

والمشكلة، يضيف محمد يونس، أن عقابيل هذا التسونامي المالي ـ الاقتصادي لن تؤثر كثيرا على أسلوب حياة الأغنياء بقدر ما أنها كفيلة بأن تزيد معاناة الفقراء ـ ملايين بل بلايين الأفراد من بني البشر ممن لا يزالون في القاع من حيث الإمكانات والخدمات ونوعية الحياة.

وعلى سبيل المثال ـ ومن واقع بيانات أكبر مؤسسة دولية مسؤولة عن اقتصاديات التمويل في العالم ؟ يسوق البروفيسور يونس في مقاله السطور التالية نقلا عن البنك الدولي:

يرى البنك الدولي أن ما لم يتم تدارك الأزمة المالية الحالية، فلسوف يضاف عدد قوامه 4,1 مليون طفل، زيادة على عدد سابق يبلغ 8,2 مليون طفل في البلدان النامية، ممن سيلقون حتفهم من جراء سوء التغذية في الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2015.

هل معنى ذلك أن يستسلم عالمنا لليأس؟

صحيح أن محمد يونس يعترف بأن العالم يواجه أكبر أزماته منذ حدوث غائلة الكساد الكبير في عقد الثلاثينات.. ولذلك فهو يسميها «ميجا- أزمة». لكن المفكر المسلم حامل جائزة نوبل كما أسلفنا، وبكل تجاربه الحافلة في بلاده يبادر أيضا فيقول: إن هذه «الميجا- أزمة» تحمل في طياتها «ميجا- فرصة»..

بمعنى أوسع الفرص التي تدعونا الى إعادة تصميم النظم المالية والاقتصادية الراهنة بحيث تشكل على المدى الطويل ركائز صالحة يمكن على أساسها توطيد الأمن الاقتصادي بالنسبة للعالم بأسره.

في هذا السياق يسترعي محمد يونس أنظارنا كمحللين ودارسين الى أن داعية الرأسمالية آدم سميث لم يقتصر على إصدار كتابه الشهير في عام 1776 بعنوان «ثروة الأمم» وفيه أسس النظرية الرأسمالية بكل ما احتوته من أهمية حافز الربح وتأكيد مصلحة الفرد وتكريس قوى السوق ما بين العرض والطلب.

إن ثمة كتاباً آخر أصدره آدم سميث أيضا، ولكن تعرّض للنسيان أو التناسي وعنوانه «نظرية المشاعر الأخلاقية» وفيه يؤكد المفكر الإنجليزي على قيم العدالة والإنصاف وعلى سلوكيات الأخلاق القويمة المترفعة عن مغبة الطمع والجشع وأنانية المصالح.

ومن ناحيته يطالب محمد يونس بأن يتم التصدي لقضية الفقر ومعاناة الفقراء في العالم من خلال إيجاد فرص العمل ومشاريع كسب الرزق لصالحهم قائلا في هذا السياق ما يلي:

إن مشاريع العمل (مهما كان حجمها) تنطوي على إمكانات أعظم من الاقتصار على سلوكيات البّر أو الإحسان.. وهي إمكانات تَعِد بالتوسع والابتكار ويمكن أن تصل إلى حيث تحقق مصالح الناس من خلال تفعيل قوى السوق الحرة.

يقول محمد يونس في واحدة من العبارات التي تعبر عن فلسفته ونظرته الاقتصادية العملية:

الفقر ليس من صنع الفقراء.. ولكنه حالة بائسة مفروضة عليهم بفعل اختلال حركة المجتمعات.. وليس لنا أن نيأس بعد أن نجح العالم في القضاء على كثير من الأوبئة وفي تجريم استرقاق البشر.

ولا اقل من أن نبدأ باستثمار طاقات الفقراء أنفسهم، فهم موهوبون ؟ مثل سائر خلق الله عز وجل ؟ بكل مَلكات العمل والجهد والتجديد والابتكار. والمهم هو الخطوات الأولى على الطريق الطويل.

محمد الخولي