أميرة الطفلة تتكلم وتصرخ: «حاكموا قتلة أبي وشقيقاي.. لا تتركوا من سفكوا الدماء أحرارا».. ونحن بني عروبتها صم بكم عمي وكأننا لا شأن لنا بصراخها ودموعها وآلامها. فنحن نائمون في نهار رمضان الذي تشغلنا سهراته ب91 مسلسلا تلفزيونيا وبرامج ترفيهية تعزز من تفاهتنا. أميرة التي ما زالت غضة العود.. ألقت بصرختها أمام المحكمة الجنائية الدولية..
حملها ما تبقى لها من أهل إلى لاهاي وهي كسيحة لتلقي بشكواها إلى المعنيين بتطبيق القوانين الدولية. قدمت دعوى إلى المحكمة للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبها الإسرائيليون في غزة والتي استشهد بسببها والدها وشقيقها وشقيقتها بعد قصف منزلها في حي تل الهوى. خلال العدوان، كانت أميرة تطارد شبح الموت أربعة أيام. تتنقل من منزل إلى آخر وهي تتألم بعد أن تمزق ساقها الذي كان من المحتم بتره لتكتب لها الحياة. تبحث عمن يسعفها وسط أشلاء الشهداء وهي معلقة بين الحياة والموت. أميرة القرم..
روت مأساتها في لاهاي قبل عشرة أيام ولا نعلم بما فعلته إلا من وكالات الأنباء الأجنبية...لم يتحرك عربي ولا مسلم لدعم قضيتها سوى حفنة من أطفال غزة الذين وإن كان قد سقط منهم مئات الشهداء، إلا أنهم لا يهابون الموت الذي اعتادوا أن يرونه أمامهم مع كل قذيفة يطلقها بنو إسرائيل على ديارهم. عقد حشد من الأطفال مؤتمرا صحفيا تضامنا مع أميرة.
طالب براعم فلسطين الذين باتوا أملنا الوحيد في إنقاذ الأرض المغتصبة بضرورة محاكمة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها الصهاينة خاصة الطيارين الذين أبادوا الشجر والحجر والإنسان دون رحمة. دعوا جميع الهيئات الدولية لإنقاذ غزة وأهلها من الموت. القطاع يئن من وطأة حصار إجرامي جعل من غزة على مدى 44 شهرا سجنا محكم الإغلاق يعيش داخله مليون ونصف مليون سجين. والسجناء محرومون من كافة وسائل الإعاشة.
المياه الصالحة للشرب نادرة ولاتصل إلى 60% من السكان. لا خدمات صحية ولا تعليمية.. المدارس التي دمرها الصهاينة لم يعاد بناؤها. الصغار محشورون فيما تبقى من فصول دراسية صباحا وظهرا. الكهرباء شبه مقطوعة لنقص امدادات الوقود. شبح الأوبئة والأمراض يطارد الأهالي لسوء مرافق الصرف الصحي.
إنهم يقتلون غزة ببطء. ومن بأيديهم أن يضغطوا وينقلوا صرخة مليون ونصف مليون فلسطيني إلى المجتمع الدولي.. نائمون في العسل في نهار رمضان!
