سنحاول في صفحة «إسرائيل من الداخل» تسليط الأضواء على بعض ما تصدره مراكز الأبحاث الإستراتيجية في إسرائيل، من دراسات وأوراق عمل، يعدها باحثون وأكاديميون وعسكريون، للاطلاع على التطورات الحاصلة في الفكر السياسي الاستراتيجي في إسرائيل، أولوياته وخياراته، وطريقة معالجته للتحديات التي تواجهها إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي.
وتخصص هذه المادة، التي تصادف الذكرى الرابعة لمناسبة الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من قطاع غزة (2005)، لتقديم عرض موجز لـ «تقدير استراتيجي»، أصدره معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (مايو 2009)، حول: «إستراتيجية الانسحاب أحادية الجانب.. عبر ودلالات وتبعات»، التي كتبها الباحث في المعهد شموئيل ايفن.
يستهل الكاتب دراسته بالقول ان إسرائيل اضطرت «لإدارة معركتين عسكريتين في مناطق سبق أن انسحبت منها بشكل أحادي الجانب ـ جنوب لبنان وغزة ـ من أجل مواجهة التهديدات التي تعاظمت بعد انسحابها». ويرى أن هذا الواقع ترتب عليه نتيجتان، أولاهما: «أن الساحتين اللتين انسحبت إسرائيل منهما إلى الحدود الدولية حتى تتفادى المواجهة فيهما تحوّلتا إلى الجبهتين الأكثر عنفاً بالنسبة لها». وثانيهما «أن إسرائيل تراجعت عن نيتها تطبيق خطة التجميع في يهودا والسامرة، والتي كانت امتداداً لخطة الفصل في غزة».
تعزيز أمن إسرائيل
على ذلك يرى الكاتب أن الهدف من الانسحاب الأحادي (تعزيز أمن إسرائيل)، «لم يصمد في اختبار الزمن». وبرأيه فإن إسرائيل «لم تدرس جيدا الخطوات التي بادرت إليها عبر رؤية واسعة بعيدة المدى. فعلى سبيل المثال، لم تعط إسرائيل في عملية الفصل الأهمية الكافية لإمكانية أن يؤدي الانسحاب إلى تغييرات عميقة في الساحة الفلسطينية وأن النتيجة النهائية ستكون مختلفة جداً عن النتيجة المرجوّة. كما أنها لم تدرس بشكل معمق كل جوانب القصور في قدرتها على التأثير على ما يجري في المناطق التي انسحبت منها».
إخفاق فكرة الانسحاب الأحادي
ففي لبنان تراجع «الاحتكاك بين حزب الله وإسرائيل إلى درجة كبيرة في أعقاب الانسحاب، إلا أن حزب الله بحث عن كل نقاط الاحتكاك في صيغتها المعدلة، التي تبرر استمرار النضال المسلح، بما فيها اختطاف جنود إسرائيليين.. وقام حزب الله بفرض قواعد اللعبة، حتى عملية اختطاف الداد ريغف وايهود غولدفيسر في يوليو 2006، والتي اندلعت في أعقابها حرب لبنان الثانية.. التطورات التي طرأت على الساحة اللبنانية بعد الانسحاب لم تحصل وفق التوقع الإسرائيلي. فقد تعززت مكانة حسن نصر الله، وكذلك تأثير ايران في لبنان، ومثل الانسحاب من جنوب لبنان، استند الانسحاب من قطاع غزة على طموح إسرائيل في بلورة واقع سياسي ـ أمني جديد بواسطة خطوة أحادية الجانب بعد عدة سنوات من غياب الحل السياسي، لقد زادت خطة الفصل من شهية الفلسطينيين. ومثلما حدث مع ادعاءات حزب الله في أعقاب الانسحاب من لبنان.. وجد الفلسطينيون نقاط خلاف جديدة مع إسرائيل حول قطاع غزة».
وبرأي ايفن فإن خطة الفصل والأحداث التي أعقبتها لم تنسجم مع التطلعات الإسرائيلية التي سبقتها، لقد خلق فوز حماس في الانتخابات للبرلمان الفلسطيني وسيطرتها على قطاع غزة واقعاً جديداً، زاد من تعقيدات الساحة الفلسطينية. ومنذ الفصل يجري حكم قطاع غزة من قبل كيان معاد مدعوم من إيران. كما أنه منذ الفصل يتواجد الفلسطينيون في أربعة أقاليم جغرافية مختلفة. مواطنو إسرائيل، مواطنو القطاع «المستقل» تحت سيطرة حماس، الفلسطينيون الواقعون تحت سيطرة إسرائيل والسلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة، بالإضافة إلى الفلسطينيين في الشتات الذي يطالبون «بحق العودة» لإسرائيل كبديل عن الاحتكاك بين الفلسطينيين داخل القطاع زاد الفلسطينيون من الاحتكاك مع إسرائيل بواسطة صواريخ القسام ومدافع الهاون.. لقد أدى الواقع الجديد إلى خلط أوراق المفاوضات السياسية التي تعتمد بالأساس على الوحدة الجغرافية بين قطاع غزة ويهودا والسامرة».
الفرق بين الانسحابين
ويميز ايفن في دراسته بين انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان وانسحابها من غزة، في الجوانب التالية:
1- في الانسحاب من جنوب لبنان عادت إسرائيل إلى خط الحدود الدولية، وبذلك كان من المفترض أن ينتهي النزاع بين الدولتين. بينما في حالة قطاع غزة انسحبت إسرائيل إلى خط الحدود على جبهة واحدة فقط. وكنتيجة لذلك أدى الانسحاب من جنوب لبنان، بين أمور أخرى، إلى تقليص شرعية نشاط حزب الله لضرب إسرائيل إلى درجة كبيرة، بينما نجد إن عملية الفصل في قطاع غزة لم تُلحق الضرر بشرعية قيام الفلسطينيين بمحاربة إسرائيل.
2- في الانسحاب من جنوب لبنان تركت إسرائيل المناطق التي انسحبت منها في عهدة دولة سيادية، تلتزم باتفاقات الهدنة مع إسرائيل، بينما في الفصل عن غزة تركت إسرائيل المنطقة تحت رحمة مراكز قوى مختلفة تنشط فيها، دون أن تكون لديها القدرة على العمل ككيانات سياسية مستقلة بشكل منقطع عن إسرائيل (وخاصة بسبب التبعية الاقتصادية للقطاع لها)، وبدون اتفاق أمني.
3- في الانسحاب من جنوب لبنان لم تتنازل إسرائيل عن أوراق مساومة لمفاوضات مستقبلية، بينما نجد ان الفصل أدى إلى تآكل في مواقف إسرائيل وشَكّل سابقة خطيرة على صعيد المفاوضات المستقبلية مع الفلسطينيين. وفي عملية الفصل انسحبت إسرائيل انسحاباً كاملاً بدون شروط وبدون مقابل من منطقة كان من المفترض أن تكون جزءاً من المفاوضات مع الفلسطينيين وخلال ذلك أخلت إسرائيل ودمرت مستوطنات يهودية (وهي سابقة على الجبهة الفلسطينية)، وانسحبت من القطاع بدون أي اتفاق مع الفلسطينيين.
4- لقد انسجم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان مع مصالح السياسة البرغماتية في العالم العربي، بينما نُظر إلى عملية الفصل عن غزة كعمل عدائي: قطع المسيرة السياسية، إلقاء قطاع غزة ومشاكله على مصر، والشروع بمسيرة مشابهة في يهودا والسامرة تثقل كاهل الأردن.
5- تم تنفيذ الانسحاب من لبنان تحت ضغط داخلي في إسرائيل.. بينما عملية الفصل في قطاع غزة تمت بمبادرة المستوى السياسي، وبالذات بعد أن حققت إسرائيل نجاحاً لافتاً في كسر الهجمة الإرهابية من جانب الفلسطينيين في عملية «السور الواقي» في يهودا والسامرة وفي العمليات الوقائية التي جاءت بعدها. وقد تلاشت النجاحات التي حققتها إسرائيل على صعيد الوعي (لدى الفلسطينيين) بعد عملية الفصل.
ماذا عن المستقبل بالضفة؟
يرى الكاتب أن النتائج المخيبة لفكرة الانسحاب الأحادي لم يبق لها أثر في السياسة الإسرائيلية، على الرغم من «انها غيّرت الخارطة السياسية في إسرائيل».(يقصد انشقاق حزب الليكود ونشوء حزب كاديما، الذي يعتبر أكبر الأحزاب الإسرائيلية اليوم«). وهو يؤكد استحالة تطبيق هذه الخطة في نطاق الضفة الغربية لعدة أسباب، منها، «الأهمية الإستراتيجية ليهودا والسامرة بسبب وجود هذه المناطق في مركز البلاد، وكِبَر المنطقة بالإضافة إلى المواقع الهامة. كما ان التهديد العسكري الذي يمكن أن ينشأ من يهودا والسامرة والصعوبة في استخدام الجيش الإسرائيلي (بعد الانسحاب) أكبر بكثير بالمقارنة مع الوضع في قطاع غزة. 2ـ إن الاستيطان في يهودا والسامرة أكبر من الاستيطان الذي كان قائماً في القطاع، كما أن هناك رابطة تاريخية بين مناطق في يهودا والسامرة (مثل الخليل) وبين إسرائيل. وقد يكون إخلاء مناطق كهذه مرتبطاً بمواجهة داخلية شديدة أكبر من تلك التي حدثت على خلفية الانسحاب من غزة. 3ـ إن مناطق يهودا والسامرة هامة بشكل لا يمكن تقديره بالنسبة لإسرائيل، كورقة مساومة في مفاوضات الحل الدائم. وقد ازدادت أهميتها على هذا الصعيد بعد الانسحاب من القطاع.
ويخلص ايفن إلى أنه «وفيما يتعلق بالمستقبل القريب، لا يوجد أي منطق يدعم استخدام إستراتيجية الانسحاب أحادية الجانب. وعلى أقصى حد يمكن لإسرائيل أن تدرس إمكانية استخدام هذه الوسيلة لاعتبارات تكتيكية. ويبدو أن الطريقة الصحيحة لإخلاء مناطق هي عبر اتفاق مستقر فقط، ينسجم مع الأهداف الإسرائيلية على المدى البعيد».
إضاءة
في التقدير الإستراتيجي الإسرائيلي فإن النتائج المخيبة لفكرة الانسحاب الأحادي لم يبق لها أثر في السياسة الإسرائيلية، على الرغم من «انها غيّرت الخارطة السياسية في إسرائيل».(يقصد انشقاق حزب الليكود ونشوء حزب كاديما، الذي يعتبر أكبر الأحزاب الإسرائيلية اليوم). وهو يؤكد استحالة تطبيق هذه الخطة في نطاق الضفة الغربية لعدة أسباب، منها، «الأهمية الإستراتيجية ليهودا والسامرة بسبب وجود هذه المناطق في مركز البلاد، وكِبَر المنطقة بالإضافة إلى المواقع المهمة
ماجد كيالي
