حتى الآن، لم يتضح سبب معقول لتوتر العلاقات العراقية السورية، بعد أيام عدة من زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي لدمشق، والإعلان عن «اتفاق شراكة إستراتيجي»، إلا أن الوقائع تشير إلى حزمة من التراكمات، دفعتها إلى السطح معلومات عن مفاوضات جرت في تركيا بين ممثلين عن الإدارة الأميركية، وأطراف من المعارضة العراقية، المسلحة وغير المسلحة، بينها عناصر مقربة من النظام السابق، إضافة إلى الارتباك السياسي الداخلي الذي يسبق الانتخابات البرلمانية المقبلة في العراق، مطلع العام المقبل، والفشل الملحوظ في تحسين الأوضاع الأمنية والمعيشية والخدمية، وغيرها، رغم الوعود الكثيرة التي قطعتها الحكومة والكتل السياسية المرافقة لها.
ويلاحظ المراقبون السياسيون، أن تأزم العلاقات، جاء مباشرة في أعقاب تأزم الوضع الداخلي في العراق، ما يفسّر بأنه تنفيس لأزمة داخلية، أطلقته تفجيرات يوم الأربعاء الدامي 19/8، التي سبقت الإعلان عن «الائتلاف الجديد»، والتي قيل أنها كانت رسالة إلى المالكي مفادها «انك فاشل بدون الائتلاف»، ومهما تكن الجهة المنفذة، فان التفجيرات الضخمة جاءت لتثبت فشل الحكومة امنيا وسياسيا ودعائيا، حيث كانت المؤشرات كلها تدل على تورط «حكومي»، في تلك العمليات، وان لم يكن كذلك، فكيف يمكن تفسير التصريحات الرنانة بأن «تنظيمات القاعدة والبعثيين تلفظ أنفاسها الأخيرة؟»، وأين ذهب الاستعراض «البطولي» عن القبض على زعيم تنظيم القاعدة أبي عمر البغدادي، وما مصيره!؟.
أحداث.. ومواقف
خلال تفجيرات الأربعاء الدامي، 819، سرت شائعات عن «عملية انقلابية»، وسرعان ما تسرب معظم الموجودين في «المنطقة الخضراء» منها، لاسيما وان الشاحنة التي انفجرت قرب وزارة الخارجية، لم تكن تبعد كثيرا عن فندق الرشيد، الذي كان من المقرر أن يعقد فيه مؤتمر عشائري، يحضره المالكي، كما أن أحدا لا يمكن أن يصدّق وصول شاحنة مفخخة إلى هناك، من دون دعم كبير من جهة مسؤولة.
وبالتزامن مع الإنفجارين، قرب وزارتي الخارجية والمالية، أطلق محافظ بغداد، صلاح عبد الرزاق، المقرب من رئيس الوزراء نوري المالكي، صرخة الاتهام الأولى، إذ أعلن من خلال التلفزيون أن أجهزة المحافظة رصدت شاحنة مفخخة ثالثة، في منطقة الصالحية، قرب وزارة العدل، وأبلغت الجهات الأمنية عنها، فتوجهت مفارز الشرطة نحوها، إلا أن جهة ما، في الأجهزة الأمنية، أبلغت سائق الشاحنة باكتشافها، فتركها وهرب. ويحمل تصريح محافظ بغداد، إضافة إلى اتهام «جهة ما»، معلومة قد تكون خطيرة، وهي أن التفجيرات لم تكن ناجمة عن عمليات انتحارية، أي أنها ليست من فعل تنظيم القاعدة، لان الانتحاري لا يهمه اكتشاف أمره، ما دام متوجها إلى هدفه، وقرر قتل نفسه مسبقاً. ثم جاء تصريح مقتضب لوزير الخارجية هوشيار زيباري، الذي أبدى استغرابه من سحب إحدى نقاط السيطرة المهمة، التي كانت قرب الوزارة، قبل الانفجار. إلا أن الناطق الرسمي لعمليات بغداد قاسم عطا أعلن، بعد يومين، عن القبض على بعثي سابق، اسمه وسام علي كاظم، اعترف بأنه تلقى تعليمات من سطّام فرحان، الذي ينتمي إلى حزب البعث ـ جناح يونس الأحمد، بتنفيذ التفجيرات، وان المفخخة التي استهدفت وزارة المالية، تم تفخيخها في قضاء الخالص «75 كم شمال بغداد».
وهذا أمر غير وارد بالنسبة للعارفين بالشأن العراقي، حيث لا يمكن لشاحنة تحمل طنين من المتفجرات اجتياز هذه المسافة، التي تنتشر فيها عشرات نقاط السيطرة والتفتيش، وليس نقطة واحدة كما أشار المتحدث الرسمي، إضافة إلى الأسوار والجدران العازلة، داخل محافظتي ديالى وبغداد، وعند الحدود بينهما..
انقلاب الموقف
كل الوقائع كانت تشير إلى أن تفجيرات الأربعاء «شأن داخلي»، أو «شأن عائلي»، عبر عنه النائب عباس البياتي، المقرب من رئيس الوزراء نوري المالكي، بالقول «إن الإرهاب الآن سياسي إرهابي»، ما يعني انتقاله بشكل واضح إلى «العملية السياسية»، ولكن فجأة تغير الموقف، عبر تصريح مشكوك فيه، حول تورط رجل الأعمال «سطّام فرحان»، المقيم في سوريا منذ أطلقت القوات الأميركية سراحه أوائل عام 2006، بالتفجيرات، و«دعم الإرهاب»، وتغير الموقف بين العراق وسوريا من «شراكة استراتيجية» إلى حرب إعلامية، حيث صرح الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ، بأن العراق اشترط، لتطبيع علاقاته مع سوريا أن تبادر دمشق إلى تسليم المشتبه في أنهم خططوا للاعتداءات على أراضيه، مؤكدا أن «العراق سلم قائمة مطلوبين عدة مرات، إلى السوريين، خلال اجتماعات اللجان الأمنية، لكنهم يراوغون في الإجابة، وان العراق لن يقبل إي مماطلة في الوقت الحاضر».
وفي الحقيقة، كانت هناك إجابة من الجانب السوري، وهي أن 5,1 مليون لاجئ عراقي يقيمون في سوريا، ولا يمكن أن تسلّم أي شخص كان منهم من دون أدلة قاطعة، كما أنها سبق أن آوت المالكي والطالباني والكثير من المعارضين للنظام السابق، ولم تسلّم أي واحد منهم إلى السلطات آنذاك. وفي هذا السياق، يقر الجانب الأميركي بتعاون السلطات السورية في ضبط الحدود، كما قامت جهات رسمية سورية بتنفيذ عمليات مشتركة مع القوات الأميركية، داخل الأراضي السورية، لإلقاء القبض على العديد من المسلحين. إلا إن الدباغ يعود ليؤكد «سنطالب، من خلال الأمم المتحدة وعبر علاقاتها الثنائية، بتسليم أولئك المطلوبين، إذا كانت دمشق ترغب بعلاقات جيدة معها»، مشيراً إلى أن تلك «العلاقات وصلت إلى مفترق طرق، وان على الحكومة السورية أما أن تختار علاقات جيدة مع العراق أو حماية أشخاص يستهدفونه».
خلط الأوراق
ويبدو أن هناك أوراق عدة متشابكة في الشأن الداخلي العراقي، من بينها ملف المعتقلين، الذين لم تثبت عليهم أية أدلة، وكان الكثير منهم يختفون من مراكز الاعتقال إبان فترة «الجثث المجهولة»، ثم جاءت عمليات حصر أعداد المعتقلين، وقيام القوات الأميركية، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى العراقي، بإطلاق الآلاف ممن لم تثبت إدانتهم، ما أثار حفيظة الجهات الطائفية، التي طالبت بإعادتهم إلى المعتقلات، ولتبرير هذه المطالبة، أوقعت هذه الجهات نفسها، كما أوقعت الحكومة، في تناقض صارخ، من خلال تصريحات لقيادة عمليات بغداد، أفادت بان منفذي تفجيرات الأربعاء الدامي «انتحاريان»، تم التعرف عليهما من خلال اعترافات أعقبت اعتقال عدد من أقاربهما، الذين أوضحوا «بالدليل القاطع» أن منفذي «التفجيرين الانتحاريين» قرب وزارتي المالية والخارجية، هما من تنظيم القاعدة «دولة العراق الإسلامية»، الذين أطلقت القوات الأميركية سراحهم قبل أربعة أشهر، من معتقل بوكا في البصرة، وان الشاحنتين تم تفخيخهما في جنوب بغداد.
مداخلة صغيرة
يقع منزل كاتب هذه السطور في إحدى مناطق جنوب بغداد، ويستغرق الخروج من هذه المنطقة، أو الدخول إليها، أكثر من ساعة، حيث يخضع المواطنون لتفتيشهم شخصا اثر آخر، وتفتيش سياراتهم، إضافة إلى نقاط السيطرة والتفتيش داخل المنطقة المحاطة بجدران إسمنتية يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار، والتي يوجد فيها منفذ واحد للدخول وآخر للخروج، إضافة إلى عشرات نقاط التفتيش والسيطرة، التي تجعل من المستحيل وصول شاحنة مفخخة من جنوب بغداد، إلى وسطها حيث تقع وزارة الخارجية، أو شمالها حيث تقع وزارة المالية، التي سبق أن قال الناطق باسم عمليات بغداد قاسم عطا إن الشاحنة التي انفجرت قربها، تم تفخيخها في قضاء الخالص بمحافظة ديالى، واتهم بذلك أشخاصا مقيمين في سوريا، بعثيين أو مقربين من النظام السابق، الأمر الذي دفع نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي إلى المطالبة بالكف عن توجيه الاتهامات إلى سوريا، ما دامت الحكومة تقول إن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن التفجيرات، وان منفذيها لم يأتوا من الخارج، وإنما من الذين أطلق سراحهم مؤخرا، من معسكر بوكا.
رواية جديدة قديمة
ولكن يبدو أن هناك إصرارا على الاستمرار في تأزيم العلاقات، وإشراك دول أخرى فيها هذه المرة، وخاصة المملكة السعودية، بعرض شريط مسجل لشخص قالت انه سعودي تدرب في معسكر بمدينة اللاذقية، وان الشخص المسؤول عن إرسال المسلحين إلى العراق يدعى «أبو القعقاع». وحسب مطلعين على الشأن العراقي، كان هناك مسلحون عرب في اللاذقية، في فترة ما بعد الاحتلال، وكان السوري «أبو القعقاع»، وهو إمام جامع في حلب، يرسلهم إلى العراق، إلا أنهم كانوا يقتلون في الطريق، أو يتم اعتقالهم من قبل القوات الأميركية، أو يتم قصف الأهداف التي يصلون إليها، ما أثار الشكوك في أن ذلك الشخص يعمل لصالح الأميركان، فاضطر إلى الهرب والتخفي، إلى أن قتل في حلب، أوائل سنة ,2006. ما يعني أن اعترافات ذلك الشخص الذي عرض في التلفزيون، هي سرد لوقائع قديمة، ولا رابط بينها وبين التفجيرات الأخيرة في بغداد.
جزء من الحقيقة
وبعد كل هذه الوقائع، يبقى المتهم الأول الذي أثار هواجس ومخاوف الحكومة العراقية، وبعض الأطراف السياسية، هو «سطّام فرحان»، الذي لم يرد اسمه من قبل ضمن المطلوبين للحكومة العراقية، كما لم يعرف عنه انه تولى أي منصب في حزب البعث، فبعد أيام من «اتفاق الشراكة الاستراتيجية»، تسربت إلى بغداد معلومات تفيد بان الجانب الأميركي أجرى اتصالات مع أقطاب المعارضة العراقية في سوريا، ومن بينهم رجل الأعمال المعروف «سطّام فرحان الكعود»، احد شيوخ الأنبار المؤثرين، والذي يرأس «الجبهة الوطنية لمثقفي وجماهير العراق».
وكانت شخصيات عراقية ذكرت أن الأميركان بدأوا سلسلة من الاتصالات مع الشيخ سطّام الكعود، «الذي تم إطلاق سراحه وفقا لترتيبات سابقة تمت معه بخصوص قيامه بالوساطة مع فصائل المسلحين في مناطق غرب العراق واستخدام نفوذه وتأثيره العشائري هناك». ويتردد بين العراقيين في الخارج، ومنهم بعض المسؤولين السابقين، بان الأميركان يعتبرون سطّام «الشخصية الوحيدة» المقبولة لديهم من بين المحسوبين على نظام صدام حسين، من اجل تكليفه بإعداد ترتيبات إدماج مسؤولي النظام السابق وحزب البعث والمسلحين بالعملية السياسية، باعتباره احد شيوخ اكبر العشائر في المنطقة الغربية، وأبرزهم، ويحظى باحترام كبير، خصوصا بعد اعتقاله من قبل الأميركان، الأمر الذي منحه رصيدا شعبيا بين عموم سكان تلك المناطق.
ملاحظات
من هو سطام الكعود؟
المعروف عن الدكتور سطّام، المقرب من النظام السابق، انه لعب دورا كبيرا في تصدير النفط العراقي خلسة «تهريب»، لصالح الحكومة العراقية، إبان فترة الحصار الذي فرض على العراق «1990 ـ 2003»، ما أوجد له مكانة تجارية واقتصادية كبيرة في دول الجوار، والدول العربية الأخرى، وخاصة سوريا والأردن ومصر وتركيا. وعندما أسس سطّام الكعود «الجبهة الوطنية لمثقفي وجماهير العراق»، بعد الاحتلال مباشرة، اتهمت هذه الجبهة بكونها واجهة لحزب البعث.
وقد تم اعتقال سطّام من قبل القوات الأميركية في الثاني والعشرين من نيسان ابريل 2003، وكان آنذاك يسعى، مع وجوه من عشيرته لتوفير مخابئ لصدام وعائلته، وهو ما يقرّه سطّام، الذي ينفي في نفس الوقت وجود أية علاقة له مع صدام، وان علاقاته مع «عدي» كانت «رياضية»، لأنه يدعم نادي الطلبة الذي يضم ابرز لاعبي المنتخب الوطني العراقي، مثل حسين سعيد واحمد راضي ونزار اشرف، وغيرهم، في وقت كان عدي صدام رئيسا للجنة الاولمبية.
وبحكم كون سطّام معتقلا، زهاء ثلاث سنوات، لدى القوات الأميركية، وبحكم كونه وعائلته من المؤثرين في محافظة الأنبار، حاول الجانب الأميركي كسب تعاونه للحد من النشاطات المسلحة في الأنبار، وتم إطلاق سراحه مطلع عام 2006، فتوجه إلى الإقامة في سوريا.. أي انه لم تكن له نشاطات سياسية أو «مسلحة»، لأنه كان رهن الاعتقال.
إضاءة
قالت مصادر رسمية سورية «إن تفجير العلاقات السورية العراقية أمر مبيت من جهات داخلية عراقية، تتشابك مصالحها مع جهات إقليمية ودولية متضررة من قيام علاقات سورية ـ عراقية قوية. وتستقبل سوريا على أراضيها مليوناً ونصف المليون لاجئ عراقي، وهي لا تسمح بممارسة أي أعمال معادية للدولة العراقية، وعملت كل ما بوسعها لضبط الجانب السوري من الحدود السورية العراقية، وهذا ما أقرت به أرفع المستويات القيادية السياسية والأمنية في العراق، وسعت الحكومة السورية للارتقاء بالعلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، وقدمت كل التسهيلات الممكنة
بغداد ـ عراق احمد
