لم يسبق أن نالت الانتخابات في اليابان من الاهتمام العالمي، ما حظت به هذه المرة. فالبلد بعيد وهادئ. مشغول بتعزيز مكانته الاقتصادية الثانية في العالم. شعبه غير شغوف بالسياسة. تحكمه توازنات سياسية، روتينية مستقرة ومديدة. لكن هذه المرة اختلفت الأمور. الانتخابات كانت نتائجها أشبه بالتسونامي والتغيير الذي جاءت به تاريخي. لكن كل هذا، على أهميته وندرته، لم يكن كل ما في التسونامي الياباني. الأهم كان في مدلولاته وأبعاده، التي تتجاوز ساحته الداخلية لتطول محيطها الإقليمي ومداها الدولي.

لا شكّ أن العامل الاقتصادي لعب دوره الكبير في الانقلاب الانتخابي. اليابان في حالة ركود منذ هبوط اقتصادها في مطلع التسعينات من القرن الماضي. معدلات النمو بقيت في أدنى مستوياتها. منذ عام 2000 لم تتجاوز 09,1% سنوياً. الدين العام أكثر من 9 تريليونات دولار. قريباً يصبح ضعف الناتج القومي الإجمالي. والوضع الاقتصادي مازال يواصل انكماشه. كل ذلك فاقم من النقمة على الحزب الحاكم. صحيح أن التغيير كان، في جانب كبير منه، ردّ فعل على هذا التردّي، الذي طال أمده وطالت كلفته.

لكنه كان أيضاً فعل اختيار، ولو نكاية بالمهزوم، أو على الأقل كان عدم اعتراض أو رفض لطروحات الفائز وخاصة في بندين مهمين من أولوياته: إعادة النظر في جوانب مهمة من علاقة اليابان مع الولايات المتحدة. وثانياً، الاستدارة أكثر نحو آسيا. في بيانه الانتخابي دعا الحزب إلى «شراكة متكافئة» مع واشنطن. كما دعا إلى إعادة النظر في التواجد العسكري الأميركي ـ خمسين ألف جندي ـ فوق الأراضي اليابانية.

زعيمه، يوكيو هاتوياما، تحدث عن نهاية عصر العولمة المهيمنة عليها أميركا. كلام يشير إلى النية باعتماد توجّه جديد، يعزّز من «أسيوة» (من آسيا) اليابان على حساب استمرار «أمركتها». وتزداد أهمية هذا التوجه انه يأتي في لحظة تتنامى فيها عوامل القوة الاقتصادية الآسيوية؛ مقابل ضمور الاقتصادات الغربية، خاصة الأميركية، بعد الانهيار المالي الذي حصل وما استتبعه من اهتزاز لركائز الاقتصاد الأميركي، واستطراداً العالمي ككل. هزّة كان من إحدى نتائجها، تآكل الثقة بالدولار وهيمنته. المخاوف التي أعربت عنها الصين، قبل أشهر، بخصوص الدولار والتلميح عن بدائل؛ كان من أبرز علامات هذا التآكل.

الاقتصاد الآسيوي الصاعد ـ خاصة الصين والهند وكوريا ـ أبدى قدرة أكثر من غيره، على امتصاص تداعيات الأزمة المالية ـ الاقتصادية. التوجه الياباني الجديد، يعزّز من صعوده؛ ليصبّ في تسريع عملية انتقال الثقل الاقتصادي إلى الشرق الآسيوي، على حساب الوزن الغربي المتضائل.

vic_shal@hotmail.com