لم تقدم إسرائيل على الانسحاب من قطاع غزة، قبل أربعة أعوام، كرما لعيون الفلسطينيين، ولا نتيجة قناعة ذاتية تولدت لديها بضرورة إنهاء مظالم الاحتلال والاستيطان والتحكم بمستقبل شعب أخر. فلقد أقدمت إسرائيل على خطتها الأحادية الجانب هذه، بسبب التخوف من ما تسميه التهديد الديمغرافي (الفلسطيني) وصمود الفلسطينيين في أرضهم ومقاومتهم العنيدة للاحتلال، وأيضا بسبب الضغط الدولي والإقليمي.
وهي أمور أكدها أريئيل شارون ذاته، صاحب خطة الانسحاب، بإقراره «أن المعطيات الديمغرافية ومقاومة الفلسطينيين للوجود الإسرائيلي داخلهم، والاعتبارات الأمنية، والحاجة إلى إخلاء الموارد القومية ونقلها داخل البيت..تُجبر إسرائيل على التنازل عن التمسك بغوش قطيف (يقصد مستعمرات غزة)».
معضلة غزة
ومعضلة قطاع غزة، تحديدا، بالنسبة للإسرائيليين، أنه منطقة تعد بؤرة للمقاومة، إذ يقطنه مليون ونصف مليون من الفلسطينيين، في مساحة ضيقة، لا تتعدى 360 كلم2، تعد من أعلى المناطق في العالم بالنسبة للكثافة البشرية. ويشكل اللاجئون الفلسطينيون، الذين قطنوا القطاع بعد النكبة في العام 1948، حوالي 70 بالمئة من سكانه، ويبلغ عددهم اليوم حوالي مليون نسمة، أغلبهم يسكن في ظروف صعبة في ثماني مخيمات بائسة.
ومشكلة القطاع، أيضا، أنه يفتقر لمصادر المياه كما للموارد الاقتصادية (زراعة وصناعة وخدمات)، بالقياس للضفة الغربية، لذلك فإن نسبة الفقر في قطاع غزة كبيرة جدا، بسبب ارتفاع نسبة البطالة ونسبة التزايد البشري لدى الفلسطينيين فيه. وقد تفاقم الأمر بعد الانتفاضة، نتيجة الاعتمادية العالية على العمل في إسرائيل، وفي المنطقة الصناعية في ايريتز، وكلاهما توقفا بسبب ظروف الحصار والانتفاضة والإجراءات الإسرائيلية القاسية، التي ترمي إلى تجويع الفلسطينيين وإفقارهم وصولا لتطويعهم من الناحية السياسية.
على ذلك لم يكن مستغربا تصريح اسحق رابين (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق) في مطلع التسعينيات، أي بعد حوالي ربع قرن من الاحتلال، بأنه «يتمنى لو يستيقظ ذات يوم ويجد غزة قد غرقت في البحر»! ما دلّ بجلاء على يأس إسرائيل من قدرتها على فرض سيطرتها على هذا القطاع، الذي لعب دورا كبيرا في تعزيز الجدل بين الإسرائيليين بشأن عدم جدوى الاحتلال وفشل السيطرة على شعب أخر وإخفاق مشروع الاستيطان.
هكذا أفضت الانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993) إلى تشكيل قناعة لدى غالبية الإسرائيليين بشأن ضرورة الخروج من جحيم أو مستنقع غزة، وهذا ما يفسر أن اتفاق أوسلو (1993) تضمن أولا الخروج الإسرائيلي من القطاع؛ وها هي الانتفاضة الثانية، التي اندلعت أواخر العام 2000، أفضت بدورها إلى تفكيك مستوطنات القطاع وإجلاء المستعمرين منه سواء كانوا على شكل عسكريين أو مستوطنين. فوق ذلك فإن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة أفضى إلى تغيير كبير في الخريطة السياسية الإسرائيلية، حيث انقسم حزب الليكود بخروج زعيمه السابق (أريئيل شارون) وعدد من قادته وأسسوا حزبا جديدا هو حزب كاديما.
محدودية الانجاز
وإذا كان الانسحاب من قطاع غزة يمكن أن يحتسب بمثابة هزيمة لإسرائيل، بمعنى ما، فإن التدقيق في استثماراته السياسية الإستراتيجية، من قبل إسرائيل، يمكن أن يكبح جماح أي شعور بالنصر عند الفلسطينيين، ذلك أن إسرائيل، في الحقيقة، انسحبت من 1 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية (360 كم2) فقط، ومن 6 بالمئة من مساحة الأراضي المحتلة عام 1967، ولكنها في ذلك تخلصت من عبء السيطرة على 5,1 مليون فلسطيني، في منطقة تعتبر من أكثر مناطق العالم اكتظاظا بالسكان، وتفتقر للموارد الطبيعية. الأهم من هذا كله أن إسرائيل تخلصت في انسحابها هذا من عبء قطاع غزة، الديمغرافي والسياسي والأمني والاقتصادي والأخلاقي، ورمت للعالم مبادرة مراوغة تحسّن فيها مكانتها وصورتها، وتساهم من خلالها في حماية طابعها كدولة يهودية.
المعنى أن إسرائيل انسحبت من قطاع غزة، بسبب مصالحها أساسا، وأيضا بسبب صمود الشعب الفلسطيني، وممانعته الاحتلال والاستيطان، بوسائله العادية الشعبية، وليس بالضبط تحت ضغط عملية تحريرية مسلحة. فالمقاومة أشمل وأوسع وأعمق من مجموع عمليات عسكرية، وهي نتاج فعل كتل شعبية واسعة، أكثر بكثير من كونها نتاج مجموعة من المحترفين العسكريين.
ويمكن التدليل على ذلك من تفحّص الإحصاءات، حيث سقط في قطاع غزة، منذ احتلاله في يونيو (1967) 230 إسرائيليا، بين مستوطنين وجنود، بينهم 124 إسرائيليا لقوا مصرعهم في السنوات الخمس من المواجهات (الانتفاضة الثانية)، ضمنهم سبعة فقط قتلوا بنتيجة إطلاق الفلسطينيين لأكثر من 500 صاروخ محلي الصنع على المدن الإسرائيلية المتاخمة للقطاع، وكل ذلك من أصل 1040 إسرائيليا لقوا مصرعهم خلال هذه الفترة. (هآرتس 23/8/2005). ويستنتج من ذلك أن الخسائر البشرية ليست لوحدها التي حفزت إسرائيل على الانسحاب من القطاع، كما قدمنا، إذ أن مقتل 230 إسرائيليا في القطاع، خلال ما يقارب أربعة عقود من الزمن لا يشكل ثمنا أو دافعا معقولا لوحده للانسحاب. ثم إذا كان الأمر يحتسب بالخسائر البشرية، لكان الأولى بالنسبة لإسرائيل الانسحاب من الضفة، التي خسرت فيها حوالي 900 من الإسرائيليين خلال فترة الانتفاضة، مقابل 124 فقط في قطاع غزة.
تداعيات الانسحاب
وكما هو معلوم فقد حصلت تطورات كبيرة منذ انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، خلال الأعوام الأربعة الماضية، فبعد عام واحد (مطلع العام 2006) فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وشكلت الحكومة الفلسطينية. وفي ذلك صوّت الفلسطينيون لصالح حماس التي حملت لواء المقاومة المسلحة، بمعنى أن الفلسطينيين فهموا أن الانسحاب من غزة هو نتيجة للمقاومة.
بعد ذلك اندلعت حرب الصواريخ من القطاع على المناطق الإسرائيلية المجاورة، وترافق ذلك مع فرض الحصار المشدد على القطاع، لاسيما بعد أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت. وفي يونيو من العام 2007 قامت حركة حماس بالسيطرة على قطاع غزة بالقوة العسكرية، ما أدى إلى انقسام الكيان الفلسطيني، وتمزق النظام السياسي الفلسطيني.
وفي أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 شنت إسرائيل حربا مدمرة ضد قطاع غزة، بدعوى لجم حماس.
وفي المحصلة فإن حركة حماس وخلال وجودها في السلطة في قطاع غزة، ونتيجة ضغوط الحصار الإسرائيلي، باتت أكثر ميلا لإيجاد مقاربة سياسية تتمثل بقبول دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، والتحول نحو التهدئة ووقف المقاومة المسلحة.
الأنكى أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة نقل الحركة الوطنية الفلسطينية من مجال التصارع مع إسرائيل إلى مجال التصارع الداخلي، ومن مجال حل الخلافات بوسائل الحوار، إلى مجال حسم الخلافات عبر الاقتتال وبقوة السلاح!
وبدل أن يصبح قطاع غزة بوابة الفلسطينيين إلى الحرية والاستقلال إذا به يتحول إلى أنشوطة لخنق الفلسطينيين، من خلال تشويه صدقية قضيتهم، وتقويض شرعية كفاحهم. وعوضا عن أن يصبح القطاع باعثا للكيانية الفلسطينية المستقلة إذا به يصبح معضلة لهذه الكيانية ومدخلا لتقسيمها وتقويضها. وبينما كان من المفترض أن يكون القطاع أنموذجا للديمقراطية والتعددية والتنوع في الساحة الفلسطينية إذا به يصبح مرتعا للشمولية والهيمنة السلطوية على كل مجالات الحياة!
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن إسرائيل استطاعت أن تحول هزيمتها، أو عدم قدرتها على السيطرة في قطاع غزة، إلى مكسب لها، وأن تحول انسحابها منه، من إنجاز للفلسطينيين إلى شرك لهم، كما استطاعت، على المستوى الداخلي، تجاوز حال التوتر والأزمة والانقسام الناجمة عن الانسحاب، وتصدير كل ذلك إلى الجانب الفلسطيني!
ومن دون التقليل من فعل الانتفاضة الشعبية والمقاومة المسلحة، اللتان رفعتا ثمن الاحتلال، وعزّزتا النقاش بين الإسرائيليين، بشأن جدوى الاحتلال والاستيطان والسيطرة على شعب آخر في الأراضي المحتلة، فإن مصالح إسرائيل هي التي حسمت هذا النقاش، لصالح الانفصال الأحادي، أو الانسحاب من طرف واحد، وهو في كل الأحوال انسحابا محدودا ومشروطا؛ كما قدمنا.
إضاءة
الأنكى أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة نقل الحركة الوطنية الفلسطينية من مجال التصارع مع إسرائيل إلى مجال التصارع الداخلي، ومن مجال حل الخلافات بوسائل الحوار، إلى مجال حسم الخلافات عبر الاقتتال وبقوة السلاح!
وبدل أن يصبح قطاع غزة بوابة الفلسطينيين إلى الحرية والاستقلال إذا به يتحول إلى أنشوطة لخنق الفلسطينيين، من خلال تشويه صدقية قضيتهم، وتقويض شرعية كفاحهم. وعوضا عن أن يصبح القطاع باعثا للكيانية الفلسطينية المستقلة إذا به يصبح معضلة لهذه الكيانية ومدخلا لتقسيمها وتقويضها. وبينما كان من المفترض أن يكون القطاع أنموذجا للديمقراطية والتعددية إذا به يصبح مرتعا للشمولية والهيمنة السلطوي.!
ماجد كيالي
