بين أقلام تشوه الحقيقة.. وكثيرها عربي الهوية تتحامل على صاحب الحق وتوبخه لأنه يدافع عن نفسه وحقه بالسلاح المشروع.. سطع قلم شريف ونزيه لا يخشى في قول الحق لومة لائم ولا يخشى لهيب نيران إسرائيل التي تريد حرقه وتدميره مشهرة سلاحها الخدّاع المسمي بـ «معاداة السامية». القلم .. هو قلم الصحفي السويدي الشجاع دونالد بوستروم الذي غفل عن ذكره في إعلامنا العربي المتخم بقنوات اللهو والمرح الغافلون المشغولون بليالي وسهرات رمضان.
بوستروم.. ضمير حي . ما أن يرى الحقيقة التي يبحث عنها حتى يسجلها بقلمه وعدسته. رأى الحقيقة في جرائم إسرائيل ضد شهداء فلسطين منذ أن اهتم بالشأن الفلسطيني بعد أول لقاء له مع الراحل ياسر عرفات في تونس في ديسمبر 1985 . بوستروم هو الذي رصد وسجّل بالقلم والعدسة أبشع جرائم الاحتلال الصهيوني وهي استئصال جيش الاحتلال الإسرائيلي أعضاء من أسرى فلسطينيين بعد إعدامهم للمتاجرة بها.
بداية الخيط كانت في عام 1992، عندما علم بوستروم من عناصر في الأمم المتحدة بالضفة الغربية بظاهرة غريبة متكررة، تتمثل في اختفاء جثث لشبان فلسطينيين قتلوا بأيدي جنود الاحتلال. جثث اختفت ثم عادت وبدا عليها أنه تم تشريحها. بعدها بدأ بوستروم يخوض رحلة البحث عن الحقيقة.. وعرفها من أهالي الضحايا حيث التقى بعشرين أسرة فلسطينية.
ومن جانبه كانت أول خطوة له التوصل إلى قائمة على جهاز الكمبيوتر تضم اثنين وخمسين شابا فلسطينيا قتلوا رميا بالرصاص ونقلت جثثهم إلى مركز أبو كبير للتشريح في الضفة، وبعد ذلك أعاد جنود إسرائيليون الجثث إلى القرى الفلسطينية في منتصف الليل وأعضاء لأصحابها قد تم أخذها. أقارب هؤلاء الضحايا أيقنوا أن أعضاء أبنائهم الشهداء قد سرقت. ولكن ما بأيديهم حيلة غير قادرين على مواجهة سلطات الاحتلال أو اتخاذ أي خطوة لفضح جرائم الاسرائيليين. من هنا..
أدرك بوستروم أن عليه واجب مقدس لا يمكن أن يتجاهله وهو رصد ما رأى وسمع. جرائم صهيونية بشعة.. لم يصمت بوستروم عليها فسجلها بقلمه. سلط بوستروم الضوء على قصة الشهيد الفلسطيني الشاب بلال أحمد غانم. استهدفته إسرائيل بسبب مشاركته في الانتفاضة وقذف جنود الاحتلال بالحجارة. قتلوه بالرصاص من مسافة بعيدة بينما كان عائدا إلى منزله في بلدته بقلقيلية. حمله الجنود على متن مروحية في 13 مايو 1992. ثم أعادوا جثته في ساعة متأخرة من الليل بعد خمسة أيام.
ويروي بوستروم بعض التفاصيل فيقول: «كنت متواجدا عندما أعيدت الجثة وقبل دفنها، رفع عنها الغطاء ليصبح صدره مكشوفا وظهرت أثار قطع وخياطة بصدر الشاب». وفي صحيفته السويدية «أفتونبلاديت»، قال بوستروم في تقريره عن هذه المأساة الفلسطينية التي تضاف إلى السجل الإجرامي الإسرائيلي، أن عملية إعادة الجثة إلى البلدة تمت في ظروف غريبة.. فقد فرضوا حظر التجول وقطعوا الكهرباء، وأعلنوا البلدة منطقة عسكرية مغلقة، وسمحوا لبعض الرجال بحضور الجنازة، ولكن ليس الأم والإخوة».
كان طبيعيا بعد رصد بوستروم ما رأى وسمع، أن يتعرض لحملة إسرائيلية صهيونية بشعة. لم يكن أمام الإسرائيليين من سبيل سوى اتهامه بمعاداة السامية على أمل أن تقع عليه عقوبة دولية تنال من قلمه وتحظر كتاباته.
ولم تهدأ عاصفة الانتقادات الإسرائيلية ضد بوستروم وصحيفته «افتونبلاديت» بعد أن سلطت الصحيفة الضوء على صورة اليهودي الأميركي اسحق روزنبوم الذي اعتقل في الولايات المتحدة الشهر الماضي لاتهامه بالاشتراك في شراء كلية من إسرائيلي وبيعها لمريض أميركي بـ 160 ألف دولار، وذلك ضمن شبكة واسعة من المتهمين بالتجارة في الأعضاء وغسيل الأموال تضم حاخامات!!
ما لم يستطع بوستروم أن يرويه في الصحف ، نقله في كتاب له صدر عام 2001 بعنوان «إن شاء الله».رصد في الكتاب أكثر من 200 صورة ومقالات له ولزملاء غيره تعبر عن مأساة الفلسطينيين وجرائم الإسرائيليين. إن قلم دونالد بوسترم .. سلاح يعزز من قضية الشعب الفلسطيني إن أحسنا استخدامه. ولكن للأسف أتت إلينا أسلحة عديدة مثله ولكننا لا نحسن استخدامها للدفاع عن قضايانا.
إضاءة
رئيس الوزراء السويدي فريدريك رينفيلت رفض دعوات إسرائيل لحكومته لإدانة الصحيفة السويدية «أفتونبلاديت»، التي نقلت تقرير الكاتب دونالد بوستروم عن سرقة جنود إسرائيليين أعضاء شهداء فلسطينيين.قال رينفيلت أن الحكومة لا تتدخل في مضمون ما يرد في الصحف لان حرية الصحافة جزء لا يتجزأ في نظره من الديمقراطية السويدية.
الإسرائيليون وصفوا ما كتبه بوستروم بأنه معاد للسامية. وحفنة من اليهود تظاهروا أمام السفارة السويدية في تل أبيب رافعين يافطات كتب عليها «معاداة السامية تحت غطاء حرية التعبير».
حسن صابر
