افتح ـ من فضلك ـ قاموس وبستر الأميركي وطالع معاني كلمة كواغماير في أصلها الإنجليزي وهي تفيد معنى المستنفع أو مساحات الأهوار حيث تسوخ الأقدام ويمكن أن يتعرض السائرون للسقوط بغير تمهيد وسط رغام المياه التي يعلوها غطاء نباتي من حشائش وأدغال.. يحسبها المرء صلبة متماسكة ولكنها قد تهبط تؤدي به سقوطا من حيث لا يحتسب إلى غور الأعماق.
لفظة المستنقع ـ كواغماير ـ كانت كلمة الساعة كما يقال في الحياة والسياسة والشأن العام في أميركا خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.. لماذا؟.. لأنها كانت المصطلح الذي استخدموه وقتها للدلالة على ورطة أميركا الاستراتيجية وتجربتها العسكرية المريرة في جنوب شرقي القارة الآسيوية.. وبالتحديد في أدغال ـ هل نقول أهوار فيتنام ـ وفي إطار تلك المغامرة العسكرية التي بدأت من عهد الرئيس جون كينيدي وتواصلت خلال ولاية الرئيس ليندون جونسون واستطال أمدها إلى حقبة ريتشارد نيكسون.
عند منتصف الستينات كادت قوى «الانتلجنسيا» في المجتمع الأميركي تجمع على أن ما تتعاطى معه الولايات المتحدة في فيتنام لم يكن عملية عسكرية، ولا إنجازا حربيا بالمعنى المتعارف عليه.. ولكنه كان «مستنقعا» تصورت واشنطون سطحه قابلا للعبور أو الاجتياز في إطار منافستها للخصم السوفييتي وقتها ولكن الحقيقة أن ساخت أقدامها إلى أعماقه وكانت أن تحولت عملية فيتنام إلى أزمة حيث تورطت أميركا في الدغل الآسيوي بأغصانه المتشابكة وغاباته المحاطة تاريخيا بأسوار الغموض وفلاحيه الآسيويين القادرين على الصبر والصمود بأقل الإمكانات في مواجهة أكبر آلة عسكرية في العصر الحديث.
طائرة فوق سطح سفارة
والحاصل أن هذه الورطة ـ المستنقع الفيتنامي ـ ارتبطت مع ذلك المشهد الذي استعاده الأميركيون مؤخراً وخاصة مع رحيل مهندس عملية فيتنام وهو وزير الدفاع الأسبق روبرت مكنمارا منذ أسابيع قلائل.. وهو المشهد الذي حدث في خريف عام ,1975. وظل محفورا ومحاطا بالمرارة في تلافيف الذاكرة الجمعية الأميركية ـ مشهد رحيل آخر سفير لأميركا في العاصمة الفيتنامية سايجون في طائرة هليوكوبتر.. لم تحطها كما تقضي التقاليد الدبلوماسية مظاهر الحفاوة الوداعية على نحو ما تتعارف عليه مراسم بروتوكول العلاقات الدولية، ولكن الطائرة هبطت ثم أقلعت في عجلة وجلة، لاهثة من أمرها من فوق سطح السفارة الأميركية في عاصمة فيتنام.
لهذا كله مازالت جموع الجيل المخضرم من أبناء الشعب الأميركي تحتفظ بذكرى هذه المشاهد.. وتستعيد عبرة تلك الأيام الصعبة بكل مراراتها وتوجز هذا كله في الكلمة التي ما برحت تثير مواجع قومية شتى وهي كلمة «المستنقع» التي ألمحنا إليها في مستهل هذه السطور.
ومن مفارقات التاريخ أن ساسة الولايات المتحدة في عقد السبعينات كانوا يفركون أياديهم جزلا وسعادة ممزوجة بقدر لا يخفى من التشفي وهم يستقبلون أخبار عملية الغزو الفاشلة استراتيجيا وتكتيكيا أيضا التي شنها الكرملين الشيوعي على أفغانستان.. ومن صفوف الأميركيين كان هناك من يشعر بهذا التشفي ـ التاريخي كما قد نسميه في موسكو السوفييتية التي لم تتعلم عبرة الحرب الأميركية في أدغال فيتنام.. ومن ثم كان يصدق على موسكو وقتها المقولة الشهيرة التي تفيد بأن من لم يتعلم من دروس التاريخ كفيل بأن يكرر أخطاءه.. كما كان من صفوف المثقفين الأميركان ـ ومنهم البروفيسور زبجنيو بريجنسكي الأكاديمي الشهير ومستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض ـ من يتنبأ بأن أفغانستان سوف تكون آخر مسمار يدق في نعش ذلك الكيان الذي ظل يحمل طوال سنوات الحرب الباردة لقب الاتحاد السوفييتي.
نهاية الاتحاد السوفييتي
وبديهي أن صدقت هذه النبوءات أو الحسابات السياسية فقد كانت أفغانستان هي فيتنام الاتحاد السوفييتي الذي عاش بعد مغامرتها الفاشلة عسكريا ولوجستيا سنوات أقرب إلى الاحتضار إلى أن وافته المنيّة السياسية في عام 1989 ـ عام سقوط جدار برلين الشهير ثم كتبت شهادة وفاته ومن ثم زواله أصلا من الخارطة في مفتتح عقد التسعينات. ورغم أن التاريخ لا يكرر نفسه.. إلا أن لمسار التاريخ أيضا حركة غريبة.. أو فلنقل دورة فريدة أشبه بدورات أو أزمات نظام الاقتصاد الرأسمالي..
والمعنى أن أميركا مع حقبة الرئيس السابق جورج دبليو بوش.. تكاد تكرر نفس الأخطاء التي سبق اقترافها في «الكواغماير» الفيتنامي.. فضلا عن خطر التورط فيما سبق وتورط فيه الاتحاد السوفييتي على مسرح العمليات في أفغانستان.
ورغم أن فيتنام مازالت ـ كما ألمحنا ـ تشكل عقدة مؤلمة في النفسية القومية الأميركية، ورغم أن الرئيس الحالي أوباما لا يزال يتمتع بشعبية واسعة النطاق في بلاده، وفي أصقاع شتى من العالم.. خاصة وهو يحاول كما نصّر من جانبنا باستمرار أن يفكك أجندة أو تركة سلفه جورج بوش.. إلا أن أوساطا ودوائر أميركية بات يساورها قدر لا يخفى من القلق السياسي مخافة أن يتحول الشأن الأفغاني بكل ملابساته وتعقيداته الراهنة إلى عقدة مستجدة تصيب الوجدان الأميركي وتنال من الرصيد الذي ما برح يتمتع به أوباما وإدارته من ناحية أخرى.
أفغانستان ـ فيتنام
في يوم 23 أغسطس تنشر جريدة نيويورك تايمز مقالا له أكثر من دلالة ابتداء من عنوانه الذي يتساءل في براءة مصطنعة: هل يمكن أن تصبح أفغانستان هي فيتنام أوباما؟
وترجمة المقال بلغة الواقعية السياسية (ريال بوليتيك) تكاد تقول أن ثمة خشية بأن يصبح الرئيس أوباما قرينا للرئيس الأسبق جونسون.. الذي يسجل عليه فشله في معالجة مشكلة فيتنام في عقد الستينات.. فيما لا تزال حوليات السياسة الأميركية تطل على سيرة وأداء أوباما ـ رغم أي عثرات أو سلبيات ـ من منظور يقرن بين الرئيس الأميركي الأسمر الشاب وبين اثنين من أهم رؤساء أميركا وهما:
ـ ابراهام لينكولن وقد دخل التاريخ الأميركي بوصفه محرر العبيد في ستينات القرن 19.
ـ فرانكلين روزفلت وقد دخل تاريخ بلاده بدوره بوصفه منقذ أميركا من عقابيل كارثة الكساد الوبيل (المسمى اصطلاحيا بالعظيم) الذي أصاب أميركا الرأسمالية خلال السنوات الأولى من ثلاثينات القرن العشرين.
في المقال الذي أشرنا إليه وقد جاء حافلا بالتفاصيل الجديرة بدراسة بليغة الإيجاز للقضية التي يعالجها ـ يقول الكاتب «بيتر بيكر» أن أميركا تعيش صيف الغضب لأنها باتت تواجه عقبات كأداء في ساحة أفغانستان، ولا يتورع الكاتب حتى عن الاستشهاد بما صرح به الرئيس أوباما شخصيا في حفل عشاء أقامه في مطلع هذا الصيف وضم عددا من صفوة الأكاديميين وأعرب فيه أوباما عن خشيته من أن تتسبب أفغانستان في «اختطاف» رئاسته (عمد إلى استخدام لفظة «هايجاك» التي تصدق على اختطاف الطائرات وما في حكمها عنوة ودون سابق إنذار).
والحق أن مثل هذه التخوفات تستند إلى أكثر من شاهد أو دليل: ها هي الكاتبة الأميركية «شارون أويتمان» تنشر بدورها مقالا في 23/8 تؤكد فيه أن سنة 2009 الحالية هي الأسوأ منذ بدء الحرب الأميركية في إطار التحالف مع قوى من حلف الأطلسي (الناتو) أي منذ 8 سنوات خلت.. والسبب هو أن عامنا الراهن شهد أكبر خسائر في أرواح جنود وضباط أميركا والناتو فيما شهد أخطر عمليات قامت به قوات الطالبان وأشدها جسارة في ربوع أفغانستان.
آخر أسبوع في أغسطس
ويبدو أن الأسبوع الأخير من شهر أغسطس كان علامة فارقة في هذا السياق.. فقد شهد نفس الأسبوع نشْر نتائج أحدث استطلاع للرأي في بريطانيا أفاد بأن أكثر من ثلثي البريطانيين لا يؤيدون دور بلادهم وقواتها المسلحة في أفغانستان.
من خلال شبكة الانترنت أجرت الاستطلاع صحيفة «صنداي ميل» على مدار يومين كاملين (20 و21 أغسطس) وأفاد ثلاثة أرباع المستجيبين لأسئلة الاستطلاع بأنهم لا يشعرون بأن مشاركة القوات البريطانية (جنبا إلى جنب مع قوات الولايات المتحدة) ستجعل بلادهم أكثر أمنا إزاء غائلة الإرهاب (والمعروف أن الحرب المعلنة ضد الإرهاب كانت الشعار والمبرر اللذين رفعتهما وساقتهما إدارة الرئيس السابق بوش بمشاركة من جانب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لبدء العملية العسكرية في أفغانستان).
والحاصل من ناحية أخرى أن هذا الاستطلاع لاتجاهات الرأي العام البريطاني تم إجراؤه في توقيت فاصل ودقيق يأتي بالذات بعد ما شهده شهرا يوليه وأغسطس من ارتفاع خسائر القوات البريطانية في البلد الآسيوي المسلم إلى معدلات غير مسبوقة لدرجة أن الأوساط البريطانية وصفت هذين الشهرين بأنهما أكثر المراحل دموية بالنسبة لقوات بريطانيا منذ اندلاع العمليات في عام 2001 (تكبدت انجلترا خلال عملية أفغانستان 202 قتيلا منهم 40 عسكرياً بالذات خلال الأسابيع السبعة المنقضية).
لم يكن مصادفة إذن أن يعلن الجنرال «ديفيد بتريوس» مسؤول القيادة المركزية الأميركية أن قوات الناتو بحاجة إلى مهلة، لا تقل عن 12 شهرا لإثبات نجاح الاستراتيجية التي تتبعها في حربها مع الطالبان.. وأن يعترف القائد الأميركي بأن قوات الناتو واجهت «شهورا صعبة» ولا سيما في شرقي أفغانستان وفي كل من ولاية هلمند وقندهار.
من ناحيته أيضا اعترف الأميرال «مايك موللن» رئيس أركان الجيش الأميركي في تصريحات أدلى بها إلى شبكة سي. إن. إن الاخبارية بأن متمردي طالبان باتوا يتبعون تكتيكات أفضل مستوى وأشد تعقيدا.
لكن هناك فرقاً
وقد نلاحظ أن الرئيس أوباما كان قد أعلن عزمه على إغلاق الملف «العسكري» الأميركي في العراق في غضون عامين والانسحاب من ساحة الرافدين خاصة وأن حرب العراق لم تكن لتستند منذ أيام بوش إلى مبررات كافية ولا معقولة (راجع ما تردد وقتها وثبت تهافته من حكايات أسلحة الدمار الشامل.. الخ).. يومها أعلن أوباما أيضاً أن التركيز سيكون على جبهة وحيدة من حيث الجهد العسكري الأميركي وهي جبهة أفغانستان التي مازالت قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي تربط بين عناصرها من الطالبان إلى منظمة القاعدة وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
في كل حال، هناك من طليعة مثقفي أميركا من يشعر بقدر من الاطمئنان أو هو الارتياح لأن الرئيس أوباما في رأيه يفهم أبعاد الموقف الراهن.. ويدرك أهمية أن تتجنب إدارته وحقبته الرئاسية ومصالح بلاده وسجله الشخصي نفس المصير الذي سبق وواجهته واشنطن بالنسبة لورطة فيتنام.
يزيد من هذا الارتياح أيضاً أن المقارنة لاتزال بعيدة عن التطابق أو حتى التماثل بين ما كان عليه الحال أيام ليندون جونسون وما آلت إليه الأمور الراهنة أيام باراك أوباما.. في الحال الأول كانت أميركا قد حشدت نحو 500 ألف جندي في أدغال فيتنام.. وكان معظمهم ـ وهذا جانب مهم للغاية - من المجندين إلزاميا في حين أن أميركا لديها الآن نحو 68 ألف جندي فقط لا غير في أفغانستان ومعظمهم ـ وهو مهم بدوره ـ من المتطوعين.. وبهذا فإن قضية فيتنام بكل ملابساتها ونتائجها مسّت في الصميم ـ كما يوضح الكاتب «بيتر بيكر» عددا أكبر من بيوت أميركا وعائلاتها كما أنها ارتبطت بالمزيد من الجنود الذين شاركوا فيها بغير إرادة من جانبهم إذ كانوا مجبرين على خدمة العَلَم.. وشتان بين هؤلاء الملزمين وبين المتطوعين الذين شهدتهم ساحة أفغانستان ومن قبلها العراق ومعظمهم كانت يدفعهم مكاسب وميزات وأطماع ما بين المرتبات السخية أو الحصول على حق الإقامة ومن ثم الجنسية بالولايات المتحدة.
في كل حال أيضا فالمشكلة ـ كما يقول واحد من خبراء السياسة والعسكرية في أميركا وهو الكولونيل دوجلاس أولليفات ـ هي أن الخيارات المتاحة في أفغانستان تضيق مساحتها ما بين الاستمرار والصمود هناك إلى أمد قد يصل إلى 10 سنوات وما بين الانسحاب من أفغانستان.وكل من الخيارين يقتضي ثمنا ليس بالهّين ولا بالقليل.
إضاءة
في يوم 23 أغسطس نشرت جريدة نيويورك تايمز مقالا له أكثر من دلالة ابتداء من عنوانه الذي يتساءل في براءة مصطنعة: هل يمكن أن تصبح أفغانستان هي فيتنام أوباما؟ وترجمة المقال بلغة الواقعية السياسية (ريال بوليتيك) تكاد تقول أن ثمة خشية بأن يصبح الرئيس أوباما قرينا للرئيس الأسبق جونسون.. الذي يسجل عليه فشله في معالجة مشكلة فيتنام في عقد الستينات.. فيما لا تزال حوليات السياسة الأميركية تطل على سيرة وأداء أوباما ـ رغم أي عثرات أو سلبيات ـ من منظور يقرن بين الرئيس الأميركي الأسمر الشاب وبين اثنين من أهم رؤساء أميركا وهما ابراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت.
محمد الخولي
