في ضوء التناول التمهيدي الذي عرضنا له في الصفحة السابقة وقدمنا من خلاله لمحة تاريخية حول أسس الصراع وتراوحها ما بين الديني والسياسي والظروف التي نشأت فيها ما يمكن وصفه تجاوزا بالحركة الحوثية نشير إلى أنه في إطار القتال الدائر حاليا فإنه ليس أمام السلطة من خيار سوى الحسم، لكن هذا الحسم دونه «خرق القتاد»، فالتضاريس جبلية، والسلاح يتوفّر بسخاء حد الاحتياط، والوشائج القبيلة تُسيّج نفسها بعصبية تاريخية مقاتلة، وتجار السلاح يعتبرونها فرصة نادرة لتسويق تجارة الموت، والفساد يطل برأسه في مثل هذه الظروف ليزداد شراسة في نهب المال العام، والحوثيون سيلجأون إلى استنفاد كل عوامل الكر والفر.
لقد كان الرئيس صالح واضحاً في إشاراته الأخيرة أن الحسم العسكري قد يستغرق بضعة أسابيع، وليس كما قال احد العسكريين المنتشين بالظفر المزيف قبل حين، حيث اعتقد ذلك الاوليغاركي بأن أرتال الدبابات وأسراب الطائرت وجنود الانتشار المدججين بصواريخ الكاتيوشا والمدفعية وقذائف الهاون والأسلحة المتوسطة يمكنهم حسم المعركة خلال 48 ساعة!. عندما تزمجر الأسلحة تتراجع لغة العقل والحوار، وهذا ما يحدث الآن، فأحزاب اللقاء المشترك تعيش حيرة مؤكدة، وفرقاء الوساطات الخيرة لا يمكنهم فعل شيء عملي، والمخطوفون بالحرب يتداعون معها كالمسحورين، والقيادة تبحث عن مخرج سريع لكي تصل رسالة الدولة وهيبتها إلى البقية، لكن صعدة تظل رقماً مقلقاً حتى لو حسمت المعركة العسيرة، ذلك أن كرة الثلج التي ستذوب ستتحول بالضرورة إلى مياه تسمم الأفئدة والنفوس، وأخشى ما يخشاه الخيّرون أن تستمر الحرب مدة طويلة، وأن تفلت الأمور من يد الدولة، وأن تتحول هذه الحرب إلى مناسبة لمعارك داخلية موازية تستدعي أسوأ تجليات تواريخ التعصب والعصبيات، تحت مسمى الدين بشقيه السني والزيدي.
الوساطة القطرية... بالانتهاء المعلن للوساطة القطرية تكون أزمة صعدة اليمانية قد أعادت تجديد نفسها وبصورة أكثر فداحة وايلاماً، والسؤال لماذا تفشل الوساطة بالرغم من إصرار الدولة والحوثيين على القبول باستحقاقاتها الميدانية؟ والشاهد أن قبول الدولة والحوثيين سابقاً كان بمثابة اعتراف مؤكد ومسبق بأن فرقاء الصراع يقبلون بحلول تفاوضية وسطية، وهي إلى ذلك إشارة من قبل الدولة بأنها راضية عن مرئيات الوساطة في آفاقها الميدانية واستتباعاتها المالية والإدارية والاجتماعية، كما أن الأمر عنى ويعني أيضاً قبول الحوثيين بسيادة الدولة، وما يستتبع ذلك من معايير السيادة، وخاصة ما يتعلق بمسؤولية الدولة العملية على مجريات الأمن والنماء والإدارة والقانون.. لكن هذا لم يتم عملياً على الأرض، فالحوثيون يدعون بأن الثكنات العسكرية التابعة للقوات المسلحة والمنصوبة على الأراضي الزراعية الخاصة بالمواطنين مازالت في مكانها، ويقولون بأن صعدة مفخخة بالمعسكرات التابعة للقوات المسلحة وهو أمر يتناقض مع المعايير المتعارف عليها في المدن والقرى حيث ينصرف الناس إلى مصالحهم، ولا يطيقون التعايش مع أفراد المؤسسات العسكرية الذين يتحولون بعد حين إلى جماعات متنفذة تخالف النظام والقانون، فيما تحمل النياشين والرتب العسكرية.
واذا كانت هذه المطالب صحيحة، فإن أمام الدولة فرصة نادرة للخروج من شرنقة «الحلول الأمنية العسكرية» إلى فضاء يتسع لحلول إصلاحية شاملة لا تقف عند تخوم صعدة فحسب، بل تشمل كامل الجمهورية، فلا ضير أن يأتي المطلب من صعدة طالما سيؤدي إلى الاعتراف بحقيقة واقعية تستحق إعادة النظر، ولا ضير أن تتحول محنة صعدة إلى سبب لمعالجة الاختلالات الهيكلية في أداء المؤسسات العسكرية، ولهذا السبب تستحق صعدة تشكيل «هيئة أركان سلمية» من خيرة العقول اليمانية، وبهذا الصنيع تكون الدولة قد وضعت نفسها في موقع المرجعية الكبرى التي تعتني بمصلحة المواطن والمواطن.
التواجد العسكري المتطفل
والحقيقة أن أمر التواجد العسكري السافر ليس مشكلة صعداوية، بل انها مشكلة عامة، والشاهد أن عديد المؤسسات المدنية في اليمن تخضع لهذا النوع من التواجد العسكري المتطفل، حيث يمكننا مشاهدة تلك الثكنات أمام الفنادق الكبيرة والمستشفيات، والسفارات، والدوائر والمؤسسات الحكومية، فلم يعد مثل هدا التواجد الظاهر السافر قرين المطارات وأجهزة البث الإذاعي والتلفزيوني، بل يتم تعميمه بفجاجة دونها الحضور الكسول والمتطفل لآلاف العاملين في هدا الحقل، ممن شاءت أقدارهم النحسة ان يكونوا حراساً لما لا يستحق الحراسة، ومظهراً من مظاهر الإخلال ببنية المؤسسات المدنية والتقاطعات والشوارع.
وللإنصاف ليست اليمن هي الوحيدة في هذا الماراثون المُنكسر، بل ان الكثرة الكاثرة من أنظمة العرب المقيمة في مرابع الماضي مازالت تشتغل بهده العقيلة الأمنية الفاشلة.
ان التواجد العسكري الأفقي موروث من ثقافة ماضوية لا علاقة لها بأساليب الرقابة والسيطرة الأمنية المعاصرتين، والدليل على ذلك أن كل مدن العالم السويّة تستعين بأجهزة الرصد المختلفة، وتتابع ما يجري عن كثب عبر أنظمة تلفزيونية مغلقة وميسرة للغاية، ودونما استفزاز لأحد، أو نشر لأفراد المؤسسات العسكرية الذين يصل تصرف البعض منهم إلى التدخل فيما لا يعنيهم ولا يدخل في اختصاصاتهم، بل أن البعض منهم يرتكب أسوأ المخالفات متذرعا بالواجب الأمني.
ومهما يكن من أمر فان المطالبة برقع المظاهر العسكرية من صعدة وغيرها من المدن اليمنية ليس مطلباً «حوثيا» فقط، بل أنه مطلب كل الرائين لدولة عصرية يحميها النظام والقانون، وتتسق مع الدستور والمرئيات التي قال بها الرئيس اليمني والحزب الحاكم.
الوساطات الفاشلة
قبل مدة انسحب الوفد القطري وترك الباب موارباً حيث كان مبرر الانسحاب «التشاور»، غير ان الشيخ حميد بن حسين الأحمر البرلماني المعارض وابن الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر برر ذلك الانسحاب بقوله: إن القطريين سحبوا الوساطة لأن السلطة أصرّت على ان تكون أجهزتها قناة استلام التمويل لمشاريع إعادة الأعمار في صعدة !، لكنه أضاف قائلاً: ان الحوثيين الذين يرفعون شعار مناوأة أميركا وإسرائيل لم يقتلوا أميركيا او إسرائيلياً، والقتلى من الطرفين هم يمنيون.
بعد ان انحسرت الوساطة القطرية كان الرئيس صالح أدلى بحديث لصحيفة «الوسط» اليمنية أشار فيها إلى أن الدولة ستلجأ للحسم العسكري إن لم يستجب الحوثيون لاشتراطات الوساطة القطرية، ثم جاءت النقاط الستة التي اشترطتها الدولة قبل الدخول في الجولة الجديدة من المعارك، وقد تقدم الحوثيون بمبادرة وساطة عبر أبناء عمومتهم الذي طلبوا من الرئيس إيقاف الحرب على قاعدة تسوية جديدة تحلحل بعض اشتراطات الدولة، فيما تأخذ بأبرز مرئياتها وخاصة ما يتعلق منها بمركزية الدولة في شؤون التسيير للمحافظة.
والجديد أن الوساطة العشائرية طلبت من الدولة مسألتين جوهريتين: أولها تعيين الحوثيين في المناصب القيادية الخاصة بالمحافظة، والسماح بتدريس المذهب الزيدي، بالإضافة إلى مطالب أُخرى تتعلق بالمعتقلين من الحوثيين، وهو الأمر الذي لم ترد عليه الدولة بصورة علنية. بعد كل هذا نستطيع معرفة لماذا وكيف فشلت الوساطة القطرية، وكيف أن الوساطات المحتملة ستسير على درب غير سالك.
ملاحظات
ما أشبه الليلة بالبارحة
دخول الجماعات السلفية على خط المواجهة في صعدة يعيدنا إلى المربع الأول عندما قالت تلك الجماعات كلمتها في حرب 1994م 2004، وانبرت لتكون رؤوس حراب مقاتلة ضد «الشيوعيين» في عدن، ولا ننسى أن ما درج البعض على توصيفه بـ «الإسلام السياسي الذي تحالف مع شرعية 2004 سرعان ما انقلب ضدها ليكون الرافعة الكبرى لأحزاب اللقاء المشترك، وبتحالف ناجز وفريد مع الاشتراكيين «أعداء الأمس»، والناصريين وحزب الحق والقوميين!!.
حرب صعدة ليست حرب في محافظة أو بضع مديريات، بل هي حرب تستدعي كامل المشهد السياسي اليمني وتناقضاته، ومن هنا يمكن إدراك التداعيات المحتملة، وهى حرب ترميز مكثف لتواريخ المتاهات والأخطاء والخطايا.. تتطلب رؤية تفكيكية منهجية تسبق الفعل السياسي، وإلا فإنها ستكتسب قوة دفعها الخاصة وستفرز أُمراء حربها الميامين، سواء من معارضي الدولة ومن يعاضدهم، أو من الذين يتمنطقون نياشين وأوسمة الدولة، وليس الصومال ودارفور بعيدة عن فقه الحروب العدمية التي تشتعل بنيرانها الحامية أمام العيون والأبصار، ثم بعد ذلك تتحول إلى تنين يخرج عن السيطرة ويسخر من صانعيه.
إضاءة
كان الرئيس صالح واضحاً في إشاراته الأخيرة أن الحسم العسكري قد يستغرق بضع أسابيع، وليس كما قال احد العسكريين المنتشين بالظفر المزيف قبل حين، حيث اعتقد ذلك الاوليغاركي بأن ارتال الدبابات وأسراب الطائرات وجنود الانتشار المدججين بصواريخ الكاتيوشا والمدفعية وقذائف الهاون والأسلحة المتوسطة يمكنهم حسم المعركة خلال 48 ساعة.


