تتمثل الأسس المنطقية في اعتماد هذا التوصيف للأفراد الذين يطلق عليهم مصطلح الحوثية من أنهم تجاوزاً مازالوا في طور التبلور النظري الفكري كيما يؤول وضعهم إلى حركة وبالمعنى الدقيق للكلمة، كما أن مصطلح الحوثية يحتمل قدراً كبيراً من المفارقة للحقيقة الموضوعية، باعتبار ان الحوثيين يمثلون عشيرة بذاتها وليسوا كل الملتحقين بما سُمي «جماعة الشباب المؤمن» والانطباع المباشر الذي يمكن أن تخلقه التسمية يذكرنا بما كان من أمر بعض الحركات الانقلابية التاريخية التي تسمّت بأسماء أفراد، كالحركة القرمطية التي تسمّت باسم حمدان بن قرمط.
كما أن التسمية تحيلنا مباشرة إلى فقه الخروج على الحاكم بحد السيف كما يقول مؤرخو التاريخ، وعليه فإن بعضاً من المقولات والمقاربات بل والتسميات تتجه نحو التهويل وقدر واضح من الاستنساب المخاتل، وهذا ليس أمراً يخص الحوثيين فقط، بل أيضاً كامل المعارضات السياسية اليمنية الذي دأبت الأدبيات السياسية المعارضة على تسميتها بالحركات الوطنية، وكأن من يقف في الجانب الآخر ليس وطنياً.
فيما نرى أن هناك أدبيات سياسية سلطوية سرت في شمال اليمن وجنوبه، ومازالت تعيد انتاج نفسها، واصفةً الخارجين عن نهجها بأوصاف ونعوت غير سياسية، كالزمرة، والطغمة، والرجعيين، والملكيين، والمخربين، والانفصاليين، وما تجود به قريحة فقهاء بورصة مصطلحات الخرائب السياسية.
لهذا من الضرورة بمكان وضع النقاط على الحروف حول موضوع الحوثية والحوثيين حتى نتبين الخيط الأبيض من الأسود، وعليه فإننا سنعود مباشرة إلى فترة ما قبل إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، وهي فترة انعطافية في التاريخين السياسي العربي والعالمي، ففيها بالذات وصلت موجة البريسترويكا الغورباتشوفية والتغيير الكوني إلى نقطة النهاية.
فقد كانت الذروة مشروع الانقلاب الكسيح ضد غورباتشوف، ثم القفزة الكبرى للبراغماتي المُتطيّر يلتسن الذي تسلم حكم روسيا ثم وقّع على وثيقة حل الاتحاد السوفيتي، وعلينا هنا أن ندرك عمق الارتجاج السياسي العالمي الذي جاء عطفاً على ذلك السقوط الدراماتيكي الحر للإمبراطورية السوفييتية، وبداية فتوة اليمين الريغاني الأميركي، وكيف أن هذا الأمر أثر عميقاً على العالم العربي.
تطورات مفصلية
وتتعلق النقطة الانقلابية الثانية بحرب عاصفة الصحراء التي جاءت اثر زلزال الاكتساح العراقي للكويت، وكانت اليمن في قلب المصيدة السياسية العربية لأنها تورطت يومها بعضوية غير دائمة في مجلس الأمن، وكانت تجربة الوحدة الوليدة، والتعارض بين نموذجي صنعاء وعدن بادياً للعيان في أمر هذه المحنة المداهمة، ولقد حُمّلت اليمن أكثر مما تحتمل في هذا الموقف، وتبعها على الخط العديد من الدول العربية التي سُميت حينها «دول الضد»، وأثر الغزو العراقي والحملة العسكرية الأميركية على الزمن السياسي العربية بصورة جذرية، كما كانت له استتباعاته على الأرض، فقد استقبلت اليمن يومها، وفي أقل من أسبوعين أكثر من مليون مهاجر عائد، وأصبحت الدولة أمام مشكلتين.. واحدة في الداخل بين صانعي الوحدة من الشطرين، وأُخرى في العالم العربي.
في تلك الأحوال تزايدت مسافة التباعد بين قيادتي الشطرين السابقين، وبدأت متوالية المكايدات السياسية والتصرفات الأمنية الرعناء، وأصبح التيار الإسلامي السياسي بتناويع حضوره الأفقي يشكل رأس حربة حقيقية في مقارعة الحزب الاشتراكي اليمني ورؤيته ونموذجه، وبالتصادف مع كل ذلك تم استزراع التعليم السلفي الجهادي الراديكالي بزعامة الراحل الشيخ مقبل الوادعي في مدينة صعدة..
وكان هذا الاستزارع المفارق لطبيعة المكان كمعقل للزيدية التاريخية، والوجه المقابل لعملة الوسطية التاريخية اليمانية.. كان هذا الاستزراع بمثابة استفزاز لكرسي الزيدية وتعليمها العتيد، وعندما شعرت السلطة بأن المقاصد من دعم السلفيين انحرفت عن مسارها، ساعدت على تشكيل جماعة الشباب المؤمن بزعامة الراحل حسين بدر الدين الحوثي لتكون هذه الجماعة بمثابة المعادل الموضوعي لتفشي فكر السلفية الجهادية الراديكالي.
أسهم النظام في دعم الطرفين المتصادمين، وكان تبرير مستشاري السخائم السياسية: «من الأجدى ان نساعدهم نحن قبل ان يساعدهم غيرنا ويتحولوا إلى ألغام موقوتة !!»، وسنرى الآن أن معارك الجيش ضد الحوثيين قد تحولت إلى سجال وتصفية حسابات بين الحوثيين والسلفيين مما ينذر بعواقب وخيمة، فالأصل في النموذجين السلفي والحوثي إنهما يمثلان رؤوس حراب ناتئة للسنة والزيدية، وكلاهما كفيلان بإدخال اليمن في نفق التقاتل الطائفي العدمي الذي ما كان له حضور ومعنى في تاريخ هذه البلاد.
وتتموضع السلطة في موقع المسؤولية المباشرة على ما يحدث الآن، لأن انجراف السجال إلى مستويات تتعدى ثنائية السلطة والحوثيين سيعني تماماً توسع دائرة الفتنة، مما يقتضي تداركاً سريعاً ولجماً لازماً للمقاتلين المتطوعين غير النظاميين الذي سيشيعون ثقافة الكراهية والانتقام.. ناهيك عن السلب والنهب.
