تحاول إسرائيل تفسير الهدوء السائد في الأراضي المحتلة، بقيامها بعملية «كي وعي» الفلسطينيين، وإثبات قدرتها على ردعهم، ورفع كلفة مقاومتهم لها، كما تحاول تفسير ذلك بمحاولتها تحسين أحوالهم. وفي الواقع فإن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي لم تكن ولا مرة على وتيرة واحدة، فهي شهدت موجات وأشكالا عديدة.
ففي السبعينيات شهدت مناطق الضفة والقطاع اندلاع عمليات المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي، كما شهدت نوعا من أعمال العصيان المدني والانتفاضات المحلية، وتركزت هذه الأعمال ضد سياسات السيطرة والاستيطان وأعمال القمع الإسرائيلية.
وقد تم تتويج هذه الأعمال بالانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993) التي كشفت إسرائيل على حقيقتها أمام العالم، بوصفها دولة عنصرية واستعمارية تمارس القوة للسيطرة على شعب أخر وقهره ومصادرة حقوقه. ومعلوم أن الانتفاضة أدت إلى تزايد التعاطف مع الشعب الفلسطيني، ووضعت قضيته على رأس الأجندة الدولية، وعززت مكانة منظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني.
وبعد عقد اتفاق أوسلو، شهدت الأراضي الفلسطيني في بداية عهد نتانياهو (الأول) انتفاضة النفق (1996)، التي تحولت إلى مواجهات عنيفة بين قوات أمن السلطة والجيش الإسرائيلي. أما أعلى مستوى من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين فكان في الأعوام الثمانية الماضية (أي منذ أواخر العام 2000).
أبعاد التهدئة الفلسطينية
ومعلوم أن إسرائيل استطاعت في نهاية هذه المواجهات تقويض مقاومة الفلسطينيين المسلحة، وعززت من سيطرتها عليهم في الضفة الغربية، كما نجم عنها انسحابها (بشكل أحادي) من قطاع غزة، وفرض الحصار المشدد عليه. ويمكن تفسير الهدوء السائد حاليا، بين المُححتلين والمِحتلين، بالأسباب التالية:
1 ـ استطاعت إسرائيل خلال الفترة الماضية أن ترهق الفلسطينيين، وأن تبدد طاقتهم النضالية والبشرية، وأن تفرض سيطرتها المحكمة عليهم، بنتيجة الحملات العسكرية الوحشية التي شنّتها ضدهم في الضفة الغربية (2002 - 2003)، كما هجماتها المدمرة ضدهم في قطاع غزة، والتي كانت بلغت ذروتها في الحرب التي استمرت 22 يوما (أواخر العام الماضي وأوائل العام الحالي). هكذا ثمة سيطرة إسرائيلية اليوم على مناطق السلطة في الضفة، وحصار على قطاع غزة، أمني واقتصادي وسياسي.
2 ـ انقسام النظام الفلسطيني، بين شرعيتين وكيانين، وكان من نتائج الصراع بين فتح وحماس، على الشرعية والسلطة والقيادة، دخول الفلسطينيين في صراعات جانبية، مجانية ومضرة، استنزفت طاقتهم وصرفتهم عن الصراع ضد عدوهم، وأضعفت صدقية قضيتهم، وفاقمت من حال الإحباط في مجتمعهم
3ـ شكّل رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (2004)، نهاية لمرحلة الازدواجية في حركة التحرر الفلسطينية، وتكريسا لتحولها إلى نوع من سلطة في الأراضي المحتلة، على حساب طابعها كحركة تحرر وطني.
4 ـ لم تستطع حماس إضفاء الصدقية على دورها وشعاراتها في المقاومة والتحرير. فبعد سيطرتها، بوسائل القوة، على غزة (2007)، لم تنجح هذه الحركة في اختبار السلطة، إذ أوقفت المقاومة المسلحة، ونحت نحو التهدئة.
5 ـ شكلت الأوضاع الدولية والعربية عامل إحباط للفلسطينيين إذ لم تعد قضيتهم على رأس الأولويات، فثمة قضية العراق وتزايد نفوذ إيران في الشرق الأوسط، وتنامي النعرات المذهبية والإثنية، وثمة تحدي مواجهة الجماعات الإرهابية في أفغانستان وباكستان، كما ثمة الأزمة الاقتصادية، التي تلقي بثقلها على الصعيدين العربي والدولي.
6ـ إضافة إلى ما تقدم فقد تعرض الفلسطينيون خلال الأعوام الثماني الماضية إلى إرهاق واستنزاف كبيرين، لاسيما الناحية الاقتصادية، ويبدو أن غالبية الفلسطينيين، وبسبب انسداد أي أفق سياسي، باتوا يرون أنفسهم معنيين بترميم أوضاعهم، وبناء حياتهم في أرضهم، بغض النظر عن أي إطار سياسي.
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الهدوء الراهن مؤقت، وربما أنه مرحلة ضرورية وطبيعية يحاول فيها المجتمع الفلسطيني ترميم أوضاعه والتقاط أنفاسه، ومراجعة تجربته استعدادا لجولة صراعية أخرى. ومعنى ذلك أن الإسرائيليين يفسرون بشكل خاطئ ظاهرة الهدوء الفلسطيني، فما دام الاحتلال موجودا فإن مقاومته ستندلع بهذا الشكل أو ذاك، بهذه الوتيرة أو تلك، بين مرحلة وأخرى.
إضاءة
أعلى مستوى من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين فكان في الأعوام الثمانية الماضية (أي منذ أواخر العام 2000)، وبعد انكشاف محاولات إسرائيل فرض املاءاتها على الفلسطينيين في التفاوض على قضايا الحل النهائي، التي جرت في كامب ديفيد 2 (2000)، برعاية أميركية.
وكانت هذه المواجهات اتسمت باستخدام كل طرف أقصى العنف في مواجهة الطرف الأخر (مع الفارق في موازين القوى) ما أدى إلى مصرع حوالي 5000 ألاف من الفلسطينيين و1100 من الإسرائيليين؛ كما أدت إلى خسائر اقتصادية كبيرة لدى الطرفين.
