لم تعد وتيرة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما كانت في السابق، لاسيما خلال السنوات الثماني الماضية، إذ خبت جذوة الصراع بين هذين الطرفين، وحلّ بدلها نوع من التهدئة. هكذا لم نعد نسمع لا من الضفة ولا من قطاع غزة عن عمليات المقاومة المسلحة ولا عن عمليات القصف الصاروخي أو العمليات التفجيرية (الاستشهادية) التي اختفت منذ زمن؛ بل إن إسرائيل سمحت وسهّلت لحركة فتح عقد مؤتمرها في الأراضي المحتلة، بعد أن كانت تعمل على إنهاء وجودها.

ويصور المحلل الإسرائيلي ألوف بن الوضع بالتالي: «القصة الأكثر أهمية في صيف 2009 تتمثل في الهدوء الأمني الذي لم نشهد له مثيلا منذ عشر سنين..غزة تحررت من إسرائيل، لكنها تحت الحصار والعزلة، وفي الضفة حطمت إسرائيل المقاومة..وثمة تعاون أمني واقتصادي مع حكومة رام الله». .(«هآرتس»، 87)

تساؤلات حول الأسباب

هكذا لفتت حال الهدوء عند الفلسطينيين انتباه المحللين الإسرائيليين الذين أثاروا تساؤلات حول أسبابها وأبعادها واستنتاجاتها. يقول آفي يسسخروف: «آخر الأسبوع الماضي، اكتشفت دولة إسرائيل الضفة الغربية «الأخرى».

بتزامن مريب أقدمت كل وسائل الإعلام الإسرائيلية تقريبا على التركيز الموسع على قضية تحسن ظروف حياة الفلسطينيين في الضفة والتسهيلات المرورية من قبل إسرائيل والقانون والنظام اللذان عادا إلى المدن الفلسطينية والنهضة العمرانية والتنموية: المجمعات التجارية الجديدة، العروض الفنية، المقاهي». (هآرتس 5/8)

وإذا كان عديد من المحللين توافقوا على الانتعاش الاقتصادي في الضفة الغربية (كنموذج يجري بناؤه في مواجهة نموذج غزة)، والذي يتمثل بحسب يوسي بيلين في «النماء الاقتصادي في الضفة..فالحياة الليلية في نابلس، والمطاعم في رام الله». («إسرائيل اليوم»17/8). أو بصورة «شبان وشابات يلبسون أفضل بناطيل الجينز، ويقضون أوقات فراغهم..في مقاهٍ عصرية..بدل شغل النفس بالسياسة وحروبها». (بحسب دانييل دورون، «إسرائيل اليوم» 17/8) فإن هؤلاء اختلفوا بشأن أسباب التحول عند الجيل الشاب، من الانتفاضة والمقاومة إلى الهدوء والميل للتمتع بحياة الرفاهية.

وبينما رأى البعض بأن على إسرائيل أن تستغل هذا التحول للمضي بعملية التسوية إلى نهايتها، على أساس أن انسداد أفق التسوية وانعدام الأمل يمكن أن يدفع الشباب الفلسطينيين مجددا للانفجار للتخلص من الاحتلال، يعتقد الطرف الآخر بأن على إسرائيل أن تمضي بفرض سيطرتها الأمنية على الفلسطينيين.

عرض عابث

وخالف يعقوب عميدور هذه الآراء واعتبرها مجرد «عرض عابث». يقول عميدور: «ظهرت، مؤخراً، في الصحف تقارير ملونة تظهر كم تغيرت الحياة في نابلس، التي ترتسم كمدينة غربية بمعنى الكلمة. ورام الله التي تعجّ بالناس. وفي ذات السياق تطلق دعوات لإزالة الجدار، إذ لم يعد هناك وجود لـ «الإرهاب».. وتسهيلات إضافية في المعابر على مداخل القدس..حسب الإعلام الإسرائيلي فان الضفة هي جنة عدن، وداخلها تسير الملائكة بأجنحة بيضاء يرفعون شعار «فتح»، وفقط نزعة الشر الإسرائيلية تمنعهم من تطبيق حلم السلام مع إسرائيل».

ويحتج عميدور على هذه الصورة التي يراها مخادعة، فمن «دون الجيش الإسرائيلي سيبقى حكم أبو مازن بين ثلاثة أشهر إلى سنة(!)..الحياة في المدن والبلدات العربية جيدة، مريحة وآمنة مثلما لم تكن منذ زمن بعيد. غير أن هذا الانجاز يعود في معظمه إلى الجيش. من الصعب أن نرى قوة فلسطينية تحل محل جيش إسرائيل في هذا الشأن..من الأفضل ألا نتعلق بالأوهام. («إسرائيل اليوم، 810)

ومقابل كل ذلك ظهرت أيضا مقالات ترفض هذه الصورة الوردية للوضع، ففي مقالة عنوانها «الانفجار القادم» كتب آفي يسسخروف: «السلطة نجحت في تحسين جودة الحياة في الضفة، إلا أن الفلسطينيين ما زالوا يعيشون تحت الاحتلال.

رغم أن حواجز كثيرة قد رفعت إلا أن هناك حواجز فجائية كثيرة وعوائق مرورية تلحق الضرر بحرية الحركة. الجيش الإسرائيلي يقلل من تحركاته في المدن الفلسطيني ولكنه يفعل ذلك بين الحين والآخر، وفوق كل ذلك ـ السلطة الفلسطينية وفتح يضطرون لنفي صورة العملاء التي لصقت بهم من دون مقابل سياسي من الجانب الإسرائيلي. («هآرتس»، 85)

وكعادتها فقد خرجت عميرة هس (محللة إسرائيلية متعاطفة مع الفلسطينيين)، لتتحدث في مقالة لها عن «الانفجار الفلسطيني القادم»، والذي عددت أسبابه بالتالي:

1ـ 60 في المئة من الضفة تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. من المحظور على الفلسطينيين أن يبنوا فيها حدائق أطفال ومجمعات تجارية ودور سينما أو مد شبكات المياه وتركيب الهوائيات لشركات الاتصالات، ومن المحظور أيضا حفر آبار لجمع المياه. أما توسيع القرى والمدن فحدث ولا حرج.

2ـ بعض الحواجز رفعت فقط عندما تكرست شبكة الطرقات المزدوجة:

للإسرائيليين طرقات علوية بنيت على أراض فلسطينية مصادرة، وللفلسطينيين طرقات ضيقة ملتوية طويلة. غور الأردن خارج نطاق هذه المعادلة بالنسبة لأغلبية الفلسطينيين، وكذلك الأراضي الخصبة الممتدة وراء الجدار الفاصل ومن حول المستوطنات.

3ـ التخلف الاقتصادي في غزة بالمقارنة مع الضفة لا يرتبط بانتصار «حماس» وإنما بسياسة الإغلاق..

التغطية على الاحتلال

على ذلك فإن إسرائيل تتوخّى من الترويج لتحسّن الأوضاع الاجتماعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وانتعاش أحوال الفلسطينيين الاقتصادية، تكريس نوع من الأمر الواقع، والتغطية على حال الاحتلال. وقد أكدت التجربة بأن حيوية الفلسطينيين النضالية ما إن تخبو حتى تعود لتطفو على السطح، على شكل دوامة جديدة من أعمال مناهضة الاحتلال والعصيان المدني والمقاومة.

إضاءة

لفتت حال الهدوء عند الفلسطينيين انتباه المحللين الإسرائيليين الذين أثاروا تساؤلات حول أسبابها وأبعادها واستنتاجاتها. يقول آفي يسسخروف: «آخر الأسبوع الماضي، اكتشفت دولة إسرائيل الضفة الغربية «الأخرى».

بتزامن مريب أقدمت كل وسائل الإعلام الإسرائيلية تقريبا على التركيز الموسع على قضية تحسن ظروف حياة الفلسطينيين في الضفة والتسهيلات المرورية من قبل إسرائيل والقانون والنظام اللذان عادا إلى المدن الفلسطينية والنهضة العمرانية والتنموية: المجمعات التجارية الجديدة، العروض الفنية، المقاهي.» .(هآرتس 5/8)

ماجد كيالي