منذ خمس سنوات.. كان الرئيس الأفغاني حامد قرضاي في قمة تفاؤله بالمستقبل. خرج من معركة انتخابات الرئاسة في أكتوبر 2004، مظفرا ومدعما بشعبية هائلة بدت واضحة من نتائج تلك الانتخابات التي شهدت إقبالًا جماهيرياً.. يومها أطلق قرضاي كماً هائلًا من الوعود. قال وقتها وهو مفعم بالأمل: «لقد تركنا ماضيا عصيبا ومظلما.. واليوم نفتح صفحة جديدة في تاريخنا».

تعهد باقتلاع زراعة الأفيون من جذورها وتطهير حقول البلاد من كل الموبقات. ووعد بنزع سلاح الميليشيات خلال فترة ولايته. وتعهد بمحاربة الفقر والفساد وإصلاح الحكومة وإعادة بناء البنية التحتية التي دمرت في البلاد إلى جانب الاستمرار في مكافحة الإرهاب. هذا ما وعد به قرضاي الذي استبشر به الجميع خيرا قبل خمس سنوات. فهل تحققت وعوده أو شيء منها لصالح الشعب الموبوء بصراع أهلي دموي منذ أن اعتلى المجاهدون الأفغان السلطة عام 1992؟

من المؤسف.. لم يفلح قرضاي اللبق ذو الحس الدبلوماسي الراقي وصاحب العباءة المقصبة الأنيقة.. في الوفاء بوعوده. لم تستطع سفينته أن تبحر إلى بر الأمان في ظل العواصف التي لا تسلم منها أفغانستان.

يقول تقرير نشرته وكالة الأنباء الألمانية أنه في ظل السنوات الخمس الماضية لحكم قرضاي، صارت أفغانستان مجددا أكبر منتج للأفيون الخام في العالم، ولم يختف الفقر منها. وبينما شهدت أفغانستان معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي لأعوام.. وان يكن من مستوى متدن.. يكافح ملايين الأفغان من أجل البقاء في ظل قلة فرص العمل.

كما جاءت أفغانستان في المرتبة رقم 176 على مؤشر الفساد الذي يصدر عن منظمة الشفافية الدولية ويضم 180 دولة، فضلا عن إصلاحاتها الإدارية سارت بوتيرة بطيئة وسط غياب الاستقرار القانوني تقريبا.

وبالإضافة إلى ذلك كما تقول الوكالة الألمانية، منح قرضاي أمراء الحرب ذوي النفوذ مناصب في الحكومة بدلا من حرمانهم من المشاركة في السلطة. ولم تشهد عملية إعادة بناء أفغانستان سوى تقدم بطيء أيضا. ومع ازدياد استياء الشعب، كان أمرا يسيرا أن تنجح طالبان في تجنيد المستاءين والساخطين من أبناء الشعب. وها هي طالبان لا تزال تهدد وتتوعد ورغم زيادة عدد القوات الأجنبية والأفغانية بصفة مستمرة، إلا أن المسلحين لم يمنوا حتى الآن بهزيمة تعيد للبلاد استقرارها.

والأكثر من ذلك، تسببت القوات الأجنبية في مصرع المئات من المدنيين الأبرياء، مما زاد السخط على تلك القوات. هذا التدهور الحاد في الأوضاع الأفغانية خلال حكم قرضاي الذي استمر ثماني سنوات(الثلاث الأولى منها كان رئيساً لسلطة مؤقتة)، ليس هو السبب في حدوثه. الرجل تحمل ما فوق طاقته. كان يحلم بوطن آمن سالم مستقر بعد الإطاحة بحركة طالبان التي كان يدعمها في بداية حكمها.

عندما أتى به الأميركيون إلى الحكم في أواخر عام 2001 كرئيس لحكومة مؤقتة طبقا لاتفاق أبرم برعاية الأمم المتحدة في ألمانيا.. كان الأمل يحدوه في أن ينتشل بلاده من التخلف والصراع العرقي، وأن تشهد أفغانستان عهدا جديدا يتحقق من خلاله ما يوفر لأبنائها الفقراء ولو الحد الأدنى من المعيشة اللائقة.

ولكنه فشل في تحقيق آماله على أرض الواقع. فالأرض لم تكن مهيأة لتحقيق تلك الآمال. ويقول توماس روتيج المدير في شبكة محللي أفغانستان - وهي مؤسسة أبحاث غير ربحية ؟

إن قرضاي لا يتحمل المسؤولية وحده بشأن حالة الفقر التي عمت البلاد بعد ثمانية أعوام من إسقاط طالبان. يتحمل المجتمع الدولي نصف المسؤولية لأنه أساء تنسيق أعمال الإعمار، مما أدى إلى تباطؤ وتيرته.

ويقول روتيج انه بدلا من نزع سلاح الميليشيات، استخدمها الجيش الأميركي في محاربة طالبان. كما أن الدول المشاركة في نشر قوات أجنبية في أفغانستان لم تنجح أيضاً في مكافحة المخدرات.حكم أفغانستان سواء بقرضاي أو بغيره لن يكون يسيرا إلا بعد أن تجف الدماء وتضمد جراح العنف.

إضاءة

ولد قرضاي عام 1957. بشتوني. يتكلم الداري والأردو والانجليزية. درس في الهند العلوم السياسية. وفي 1982 هرب من الاحتلال السوفييتي إلى باكستان. ثم تلقى دروسا في الصحافة عام 1985 في ليل بفرنسا. عين في 1992 نائبا لوزير الخارجية في الحكومة التي شكلها الرئيس برهان الدين رباني بعد سقوط النظام الشيوعي. وأقام عند عودته إلى قندهار عام 1994 علاقات مع طالبان.

غير انه قطعها عند اغتيال والده في أغسطس 2000 في كويتا (باكستان) في اعتداء نسب إلى عناصر من الحركة. وعاد في اكتوبر2001 إلى بلاده سراً، قبل أن يعينه مؤتمر بون رئيساً لحكومة «انتقالية» بعد سقوط طالبان في 22 ديسمبر .

حسن صابر