«معاهدة وستفاليا» مصطلح يعرفه جميع دارسي وأساتذة العلوم السياسية.. وأحيانا يعرفونه باسم مغاير هو «صلح وستفاليا» المعقود في عام 1648 للميلاد. ويقع إقليم وستفاليا في شمال غربي ألمانيا.
ورغم شهرتها كمنطقة ألمانية غنية بمعادن الفحم والحديد، إلا أن شهرتها في ميدان علم السياسة والقانون الدولي ترجع في الأساس إلى أنها المنطقة التي شهدت هذه المعاهدة ـ الصلح أو التسوية التي حملت اسم «وستفاليا» في العام الذي ذكرناه من منتصف القرن السابع عشر.. وكانت تسوية تاريخية بحق لدرجة يمكن معها القول بأنها مازالت تشكل أساسا وطيدا لأوضاع العالم وكياناته السياسية على النحو الذي مازلنا نعرفه حتى زماننا الراهن.
لماذا؟... لأن تسوية ومعاهدة وستفاليا جاءت أولا لتضع نهاية الحرب الثلاثين سنة التي خاضتها أطراف شتى من أوروبا في تلك الفترة فيما وضعت نهاية تاريخية بحق لكيان سياسي قديم ظل يحمل اسم الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومن ثم كان إنهاؤه في وستفاليا نقطة فاصلة شكلت بالتأكيد نظام الحكم في أوروبا خلال القرون التي تلت وهو البيئة الحاضنة لظهور الدولة الحديثة التي جسدت بدورها فصل عقيدة الدين عن مؤسسة الدولة أو فصل «المقدس» عن «الإنساني» وإنهاء حروب التعصب الطائفي لصالح مفاهيم ومؤسسات التسامح والتعايش في ظل الكيانات السياسية الحاكمة بمفهومها السائد في العصر الحديث.
مبدأ احترام السيادة
وكان بديهيا في ظل تلك المفاهيم المحدثة في مضمار السياسة ونظم الحكم أن تكرس وثيقة ومبادئ وستفاليا حزمة المبادئ التي تجسد ركائز القانون الدولي وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في كل حال ظلت وستفاليا عَلَما على هذا كله بل ظلت آية دالة على غلبة وهيمنة تتمتع بها أوروبا بفكرها واجتهاداتها وكياناتها السياسية بالنسبة لمقاليد الأمور في عالم المراحل الزمنية التي تلت تسوية وستفاليا التي تصَادَف كما هو بديهي لغويا أن يحمل اسمها رنينا يشير إلى «الوست» أو الغرب (الأوروبي طبعا) من خارطة العالم الحديث.
فما بالك وهذا «الوست» أو الغرب استطاع أن يؤكد سطوته الفعلية وهيمنته الثقافية على مقاليد العالم سواء بأساليب سلبية ـ وحشية جسّدتها حركة المد الإمبريالي ـ والاستغلال الاستعماري على مدار نفس القرون الثلاثة الواصلة إلى منتصف القرن العشرين، أو من خلال الانجازات الفكرية والثقافية التي جسدتها إبداعات هذا الغرب الأوروبي في مجالات العلم والابتكار والتطوير والاختراع ومختلف التغييرات التي غيرت وجه الحياة في عالم البشر وكان في مقدمتها بطبيعة الحال نجاحات الانقلاب الصناعي ما بين اكتشاف طاقة البخار إلى تشغيل الآلة إلى تفجير النواة الذرية إلى محاولات ارتياد أجواز الفضاء.
ماذا يقول التغيير؟
لكن دوام الحال هو طبعا من المحال. وها هي نواميس التغير تأتي في لحظتنا الزمانية الراهنة لتصدق حتى على سطوة الغرب نفسه وعلى تلك الهيمنة التي ظل يتمتع بها خلال ما أتينا على ذكره من قرون الزمن. وفيما ظلت وستفاليا بإيقاعها الغربي (الوست) لتشكل حجر الزاوية لهيمنة قوى الغرب خلال ما مضى من مراحل التاريخ الحديث، فإن هناك من الدارسين من بدأ يلفت النظر إلى قوى أخرى مقدر لها أن تتسلم نفس مقاليد التأثير البالغ الفاعل على مسارات الأمور في عالمنا.. لكن من الجهة المقابلة.. هي جهة الشرق ؟ الآسيوي بالذات، وفي مقدمتها قوتان الأولى من الصين والثانية من الهند.
التحولات المرصودة والمأمولة إذن تشير إلى الشرق.. «الإيست» كما تقول الإنجليزية.. ومن ثم بتنا نرصد دخول مصطلح جديد بكل معنى إلى معجم العلم السياسي وهو: إيستفاليا:
وهو تعبير نراه مشحونا بإيماءات ودلالات تحيل أولا إلى لمحات من التاريخ الذي عرضنا له فيما سلف من سطور، ولكنها تومئ ثانيا إلى أن مراكز الثقل في النفوذ العالمي يتوقع لها أن تتحول لصالح قوى بازغة.. صاعدة من الشرق الآسيوي في الهند وفي الصين على وجه الخصوص.
هذا هو الدرس المستفاد الذي يخلص إليه البحث الذي شارك في إنجازه ونشره ثلاثة من الاختصاصيين أولهم «سونج كيم» وهو مستشار في وزارة الخارجية الكورية إضافة إلى كل من «ديفيد فدلر» و«سوميت غانغولي» وهما زميلان في مركز البحوث التابع لجامعة أنديانا بالولايات المتحدة.
السؤال المطروح
تبدأ هذه الدراسة (نشرتها مجلة وورلد بوليسي في أحدث أعدادها الصادرة) بإقرار واقع بحثي يقول بالتالي: لم يعد السؤال المطروح يدور حول «احتمال» أن يؤثر صعود قوى الشرق مثل الصين والهند ودول آسيوية بازغة أخرى على أوضاع عالمنا..
ولكن أصبح نفس السؤال يدور حول «أسلوب» هذا التحول الذي يمكن وصفه بأنه «هجرة التأثير ـ القوة والنفوذ إلى آسيا (من الغرب الأوروـ أميركي) بكل ما يمكن أن يسفر عنه من تغيرات على شؤون العالم وشجونه. وترتكز هذه الدراسة على ـ حقيقة ماثلة بعمق ـ وبألم أيضا ـ في واقع عالمنا وتتمثل بالطبع في الأزمة الاقتصادية ـ المالية الراهنة وهي الحدث الخطير الذي دفع كثيرا من الساسة والمسؤولين والعلماء الاختصاصيين في الغرب الأوروبي والأميركي إلى بدء مناقشة ما أصبح يعرف بالتعبير التالي:
النموذج الآسيوي.
أو توافق آراء بكين (إشارة إلى عاصمة الصين في مقابل توافق آخر بين الآراء سبق وأن شهدته الساحة الدولية منذ سنوات حول قضايا التمويل الإنمائي وأصبح معروفا باسم «توافق آراء مونتيري» وهي منطقة من أعمال المكسيك).
والمعنى أن سطوة أو هيمنة الغرب (بما في ذلك أخطاؤه وعثراته وانحرافاته) هي التي أدت إلى إصابة الاقتصاد العالمي ومنظومات التمويل الدولية بفادحة الأزمة الراهنة التي مازالت عقابيلها مؤلمة بكل معنى وخاصة ما يتعلق منها بانكماش الأسواق وضياع فرص العمل وكسب الرزق وتراجع معدلات التنمية.
لا عجب أن تنقل الدراسة عبارة موحية جاءت على لسان «وانغ كيشان» نائب رئيس وزراء الصين وقال فيها: الأساتذة الذين علّمونا أصبحوا يعانون مشاكل تستوجب الحلول.
على أن هذا الصعود للشرق الآسيوي ـ ايستفاليا كما قد نتذكر ـ لم يعد مقصورا على دراسات العلوم السياسية ولا على تنبؤات الدارسين.. لقد أفادت مراصد الحركة السياسية ـ الاقتصادية الدولية بتحركات على أوسع نطاق من حيث المساحة والفعالية، لكل من الصين والهند نحو مناطق كانت شبه احتكار لنفوذ الغرب وهيمنته في العالم الثالث وخاصة في قارة أفريقيا.
أساليب الغرب الوحشية
وفيما بدأت دوائر حاكمة شتى في غرب أوروبا وأميركا ترصد هذه الحركة الوافدة من الشرق الآسيوي.. وتحاول أن تفتش عن سلبيات أو ثغرات تشوبها، فقد شرعت دوائر من هذا الشرق الآسيوي في الرد والمواجهة حيث عمدت إلى تذكير الغرب بأنه أقام عالم ما بعد وستفاليا على أساس مصالح الغرب فقط دون نظر إلى مصالح شعوب أخرى في قارتي آسيا وأفريقيا.. بل عمد الغرب إلى محاولة إدماج تلك الشعوب الآسيوية الأفريقية في ضمن سيطرة الغرب بأساليب عنيفة.. بل وحشية أحيانا على نحو ما تسجل الدراسة المنشورة ـ كما ألمحنا ـ في المجلة الأميركية المعنية بقضايا السياسة في العالم.
لكن الدنيا تتغير.. وكان لابد أن لها أن تتغير، فتلك نواميس الحياة وسننها: فلقد ظل الغرب هو الذي يفرض آراءه ورؤاه على قوانين العرض والطلب في أسواق العالم.. ومن ثم ظل يفرض أنساقه الفكرية ومعاييره الحضارية إلى أن أصبح المقياس هو أن الحضارة مرادفة لكل ما هو غربي (في أوروبا وأميركا) وما عدا ذلك فهو غير حضاري أو هو بدائي أو متخلف إلى آخر النعوت السلبية التي ألصقوها عبر القرون بشعوب آسيا وإفريقيا.
وداعا لهيمنة الغرب
ولقد تواصلت تلك الهيمنة وهذه المعايير المفروضة منذ أيام القرن التاسع عشر وبعد الحرب العالمية الأولى (1918) أصبح نظام الهيمنة الدولي مكرسا بيد الحلفاء المنتصرين في غرب أوروبا. ثم انتقلت مقاليد الهيمنة على المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية (1945) إلى يد الثنائي الشيوعي ـ الرأسمالي المعروف خلال حقبة الحرب الباردة في موسكو وواشنطون..
وبعد سقوط الطرف السوفيتي.. تحولت المقاليد خلال التسعينات إلى يد طرف قطبي واحد هو أميركا التي أفضى انفرادها إلى تلك الأزمة المالية ـ الاقتصادية التي ما برحت تمسك بخناق هذا النظام العالمي.. «الوستفالي» إن شئت أن تسميه.
من هنا تأتي الدعوات المستجدة إلى عالم متعدد الأقطاب.. شريطة أن لا تقتصر التعددية على قوى الغرب وحدها، وهو ما يرادف كسر هذا الاحتكار للسلطة والموارد والنفوذ من أجل أن يفسح المجال كي يدخل إلى نادي التأثير والقوة والنفوذ والحوار العولمي أيضا قوى آسيا الصاعدة بعد أن أصبحت أطرافا مشاركة بفعالية منتجة في ما يطرح في السوق الدولية من مصنوعات وأفكار وأساليب يتم اتباعها في مقاربة المشاكل التي تصادف عالمنا.
مع هذا كله.. تنبه الدراسة ـ وهي منشورة حتى لا ننسى في مطبوعة صادرة في أميركا ـ إلى أن هذه القوى الآسيوية الصاعدة والمرشحة للمشاركة في عالم ايستفاليا الجديد، مازالت تعاني مشاكل داخل أوطانها سواء من حيث فقر قطاعات شتى من السكان أو من حيث ما تعانيه هذه الأقطار الآسيوية من تنافر وصراعات بين الأقليات العرقية والطائفية التي تضمها.
في هذا الصدد توجز الدراسة هذا الجانب في تعبير يقول في إيجاز بليغ ما يلي:
هذه الأقطار تحوي أفضل ما في العالم الأول، وأسوأ ما في العالم الثالث.. إضافة إلى ما بين الحالتين. ونبادر في معرض التعليق قائلين: وهذا صحيح.. لكن من الذي يخلو من المشاكل والمعضلات؟
إضاءة
الدنيا تتغير.. وكان لابد أن لها أن تتغير، فتلك نواميس الحياة وسننها: فلقد ظل الغرب هو الذي يفرض آراءه ورؤاه على قوانين العرض والطلب في أسواق العالم.. ومن ثم ظل يفرض أنساقه الفكرية ومعاييره الحضارية إلى أن أصبح المقياس هو أن الحضارة مرادفة لكل ما هو غربي (في أوروبا وأميركا) وما عدا ذلك فهو غير حضاري أو هو بدائي أو متخلف إلى آخر النعوت السلبية التي ألصقوها عبر القرون بشعوب آسيا وإفريقيا.
محمد الخولي

