انعقدت الانتخابات الرئاسية الأفغانية وبالرغم من التضارب الذي أحاط بها مابين اتهامات بالتزوير وتأكيدات بالنزاهة ورغم ما تزامن معها من عمليات قتالية راح ضحيتها أكثر من 21 جنديا من جنسيات مختلفة فضلا عن المصابين، ورغم تأكيد عدة أطراف وجهات على أن أكثر من 60 في المئة من الشعب الأفغاني قاطع تلك الانتخابات.

ورغم كل شيء انعقدت الانتخابات ومرت، وأيا كانت النتيجة لصالح قرضاي أم عبدالله فلا يوجد فارق كبير، فالأهم من كل ذلك هو وماذا بعد الانتخابات؟ وهل ستسفر هذه الانتخابات التي روجت لها الولايات المتحدة كثيرا عن أي تقدم ملموس على طريق تحقيق الهدوء الأمني والاستقرار أم تستمر حالة التوتر على ما هي عليه؟.

مسرحية هزلية... في البداية، أكد السفير أحمد الغمراوي سفير مصر السابق في أفغانستان على أهمية تحقيق الهدوء الأمني والاستقرار المفقودين في أفغانستان منذ سنوات بعيدة دخلت خلالها البلاد في حروب طاحنة مع القوى الأعظم في العالم من بريطانيا إلى الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة الأميركية وإن كان قد استبعد حدوث ذلك في المستقبل المنظور. وحول مدى إسهام الانتخابات الأفغانية الأخيرة في تحقيق الاستقرار والهدوء الأمني، قال الغمراوي: هذه الانتخابات ربما تعقد الأمور ولا تحلها كما يتوقع البعض، خاصة وأنه معروف مسبقا فوز الرئيس حامد قرضاي بها، مقللا من إمكانية أن يسهم فوز قرضاي في الانتخابات في إعادة الاستقرار إلى المحيط الأفغاني الذي يعاني صراعاتٍ منذ أكثر من 30 عاما. وأضاف ان الكثيرين من الشعب الأفغاني ينظرون إلى الانتخابات على أنها مسرحية هزلية نتيجتها محسوبة سلفا للرئيس الحالي حامد قرضاي وحلفائه الأميركان الذي يرغبون في الإيحاء بحدوث تطور ديمقراطي في أفغانستان.

ولفت إلى أن الصراعات ستزداد بين القوى المختلفة في أفغانستان نتيجة خروج وجهاء من الحكومة الأفغانية خصوصا من تحالف الشمال الذين أيدوا منافس قرضاي، وبات استمرارهم في الحكومة القادمة محل شكّ كبير، مشيرا إلى أن انسحاب 15 مرشحا من أصل 18 يضعف من مصداقية العملية الانتخابية، ويقلل من تأثيرها في إنهاء حالة الاحتقان الأمني والسياسي. وشدد الغمراوي على أن الرئيس الأفغاني الحالي لم يتخذ من السياسات منذ وصوله إلى السلطة ما من شأنه تحقيق مصالحة وطنية أفغانية ولم تمتد سلطته إلى الأقاليم الجنوبية ذات الغالبية «البشتونية» التي تكن عداء له ولم يحكم سيطرته إلا على العاصمة كابول وهذا لا يشير إلى قدرته على تحقيق آمال الشعب الأفغاني في الاستقرار والتنمية.

وأضاف أن حركة طالبان ستواصل مقاومتها لقوات الاحتلال الأميركي بصورة أكثر ضراوة في الأسابيع والأشهر القادمة بدعم من القوى التي ترفض الاحتلال، مشيرا إلى أن حرص الحركة على أرواح المواطنين الأفغان ومحاولة استعادة شعبية وأرضية لدى الأفغان وراء عدم سعيها الجاد لإفساد الانتخابات عبر التفجيرات والقصف العشوائي.

الوضع الأمني المتردي

وبدوره، يرى الدكتور محمد السعيد إدريس الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن الانتخابات الأفغانية جاءت في فترة محورية بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يضخ عددا كبيراً من القوات والعتاد في مهمة تزداد طموحا ومرشحة للاستمرار طويلا في وجه تمرد شرس.

وقال إدريس ان الانتخابات في أفغانستان تعد اختبارا مهما بالنسبة للقوات المسلحة الأميركية والدولية التابعة للحلف الأطلسي وللسياسة الأميركية في أفغانستان وسيضع الالتزام الأميركي في أفغانستان على المحك، خاصة وأن الوضع الأمني هناك لم يكن بهذه الخطورة منذ بدء الحرب في أواخر العام 2001، الأمر الذي دفع بالرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما إلى الدفع بالمزيد من القوات والعتاد الأميركي للسيطرة على الأوضاع المتأزمة هناك.

وأشار إلى التدهور في الوضع الأمني في أفغانستان وتأزم الموقف الأميركي خلال السنوات الأخيرة، لافتا إلى أن طالبان كانت لا تسيطر سوى على 30 إقليما أفغانيا في عام 2003 من أصل 364 إقليماً، ولكنها نجحت في إحكام سيطرتها على 160 إقليماً في عام 2008، هذا بالإضافة إلى ازدياد هجمات المتمردين بنسبة 60 في المئة خلال القترة من أكتوبر 2008 إلى أبريل 2009، وهو خير دليل على شراسة الأوضاع في أفغانستان وتأثيرها على تردي الأوضاع الأمنية وهو الأمر المرشح للمزيد من التفاقم فيما بعد الانتخابات الأخيرة.

ولفت إدريس إلى أن الوضع الأمني المتردي في أفغانستان وانعدام الاستقرار والمعارك الشرسة التي تخوضها قوات طالبان ضد القوات الأميركية والدولية وحلفائها من الداخل تؤكد على صعوبة وجود تغير دراماتيكي في الموقف بالشكل الذي يمكن من إعادة الهدوء الأمني والاستقرار السياسي بعد أن تحولت أفغانستان إلى مستنقع أميركي جديد تجد الإدارة الأميركية صعوبة كبيرة في التعامل أو الخروج منه خاصة وأن أي خروج الآن سيفسره الطالبان والجماعات الراديكالية في العالم الإسلامي بأنه هزيمة لواشنطن وسيظل عار هذا القرار يطارد أي رئيس أميركي يتخذه.

وتابع: لذلك أمر الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي جعل الجبهة الأفغانية في رأس أولويات ولايته في الوقت الحاضر بنشر 21 ألف جندي إضافي، وهو ما سيرفع عدد القوات الأميركية إلى 68 ألف جندي بحلول نهاية العام للسيطرة على الوضع المنفلت هناك خاصة بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية صراحة بأن الهدف من هذه الزيادة هو «زعزعة وتفكيك وهزم القاعدة وطالبان في باكستان وأفغانستان ومنع عودتهما»، وهو ما يعني بما لا يدع مجالا للشك استمرار التدهور الأمني واستبعاد الاستقرار السياسي والاقتصادي في المستقبل القريب.

ونوه إلى أن الإدارة الأميركية ربما تسعى إلى تكرار التجربة العراقية في نقل المسؤولية الأمنية ولو جزئيا ليس للخروج من أفغانستان وإنما لجعل المواجهة الحقيقية أفغانية ـ أفغانية والعمل، كما قالوا في العراق سابقاً على حماية السكان أولاً بدلاً من مطاردة المتمردين، وكانت النتيجة هذا العنف الجنوني البشع هناك، ومن ثم تشكيل قوات أمنية وطنية كبيرة حليفة لها وتشجيع التنمية الاقتصادية والسياسية للبلاد.

توتر ما بعد الانتخابات

ومن جانبه، أشار أيمن فايد خبير الشؤون الأفغانية إلى أن حالة التوتر في أفغانستان بعد الانتخابات ستكون أكثر مما هو معهود قبلها على أساس أن أفغانستان تعد ساحة الحرب المقبلة والتي لابد أن تخوضها الولايات المتحدة وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف أميركية رئيسية، وهي إعادة دورة حياة الإمبراطورية الأميركية، واستنزاف المارد الصيني الجديد، وكذلك إخماد ثورة الشعوب في هذه المنطقة.

ونوه إلى أن هناك مشكلة أميركية متوارثة وتكمن في أنه لا يوجد رئيس أميركي إلا ولابد أن يخوض حربا، من باب إثبات رجولته أو بالأحرى إثبات جدارته بالرئاسة بما في ذلك الرئيس الأسبق بيل كلينتون، لافتا إلى أن الولايات المتحدة الأميركية قضت على كل الذين حاربتهم بنسبة 100 في المئة وهو ما يعني أن هؤلاء ليسوا بأعداء حقيقيين، وعندما لاتجد عدوا تقوم بمحاربته فهي تصنع أعداء لمحاربتهم وتأخذ أفغانستان قاعدة للانطلاق ودخول منطقة القوقاز وآسيا وتصل لحدود الصين وروسيا وباكستان وإيران والهند وإدخال هذه الدول في مواجهات وصراعات مسلحة.

وقال إن هذا يستهدف شغل هذه الدول في حروب وصراعات مسلحة فيما بينها وذلك لإخلاء مسرح افريقيا تماما وجعله لقمة سائغة للولايات المتحدة باعتبار أن إفريقيا تمثل المستقبل وهي بذلك تكون قد أخرجت قوى دولية وخاصة الصين من افريقيا دون الدخول معها في حرب أو مواجهات مسلحة لأنها لا يمكن أن تدخل في مثل هذه المواجهة غير محسوبة العواقب على عكس الصراعات السابقة والتي كانت من جانب واحد».

وأضاف أن أفغانستان والمنطقة مرشحة للمزيد من الاشتعال في أعقاب الانتخابات الأخيرة، وقد شاهدنا في الفترة الأخيرة نشاطا ملحوظا وكبيرا لقوات طالبان أفغانستان وباكستان وهو الأمر الذي يحمل دلالات عديدة.

وشدد فايد على أن المنطقة يعاد رسمها من جديد، وأن الانتخابات لن تسفر بأي حال من الأحوال عن أي جديد، وأرجع ذلك لسببين رئيسيين، الأول استراتيجي وهو ما سبق تناوله، أما السبب الثاني وهو وجود اتهامات قوية بتزوير الانتخابات ووجود موجة من الرفض والكراهية للمرشح الرئيسي المدعوم أميركيا حامد قرضاي، والأدهى من ذلك تحالفه مع أمير الحرب الجنرال الشيوعي السابق عبد الرشيد دوستم لضمان أصوات الأوزبك خاصة بعد عودته مؤخرا من منفاه.

وأشار إلى أن وجود دوستم هو الآخر سيؤدي إلى المزيد من التدهور في الأوضاع هناك خاصة وأنه معروف بأنه أعنف جزار في العالم ويحظى بقدر كبير من الكراهية من الشعب الأفغاني وخاصة الطالبان والقاعدة، وذلك لما ارتكبه من جرائم بشعة في حق المجاهدين الأفغان والعرب خلال الحرب مع الاتحاد السوفييتي باعتباره رجل السوفييت الأول، بل وتفنن في التنكيل بالمجاهدين الذين كثيرا ما أعطاهم الأمان ثم نكث عهده وأوقع فيهم القتل والتعذيب حتى أنه قام بفرم أسرى المجاهدين تحت جنازير الدبابات.

ونوه إلى أن إعلان قرضاي التحالف مع دوستم رغم كل ما سبق قبيل الانتخابات لضمان أصوات الأوزبك إنما يعني أنه تحالف لتحقيق المصالح الشخصية وليس بهدف تحقيق المصلحة العامة للأفغان، بعد أن عاد الثاني وتحالف مع الولايات المتحدة ونجحت المخابرات الأميركية في تجنيده لخدمة مصالحها.

وتابع ان هذا بالإضافة إلى البيئة التي تجري بها الانتخابات نفسها باعتبارها بيئة احتلال، فضلا عن رغبة الولايات المتحدة الأميركية في التخلص من قوى المنطقة بما في ذلك الهند على الرغم من كونها حليفة لواشنطن، حيث ان الإدارة الأميركية تخشى من التوجهات المستقبلية لأية دولة حتى وإن كانت صديقة لها، وأيضا اليابان التي بلا شك ستدفع جزءا كبيراً من فاتورة الحرب في هذه المنطقة وكذلك الصين وإيران ودول الاتحاد السوفييتي السابق خاصة الدول الإسلامية منها.

إضاءة

لفت الدكتور محمد السعيد إدريس إلى أن الوضع الأمني المتردي في أفغانستان وانعدام الاستقرار والمعارك الشرسة التي تخوضها قوات طالبان ضد القوات الأميركية والدولية وحلفائها من الداخل تؤكد على صعوبة وجود تغير دراماتيكي في الموقف بالشكل الذي يمكن من إعادة الهدوء الأمني والاستقرار السياسي بعد أن تحولت أفغانستان إلى مستنقع أميركي جديد تجد الإدارة الأميركية صعوبة كبيرة في التعامل أو الخروج منه، خاصة وأن أي خروج الآن سيفسره الطالبان والجماعات الراديكالية في العالم الإسلامي بأنه هزيمة لواشنطن، وسيظل عار هذا القرار يطارد أي رئيس أميركي يتخذه.