بعيداً عن النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات الرئاسية الأفغانية التي جرت الأسبوع الماضي، والتي تنافس فيها 41 مرشحا في مقدمتهم الرئيس حامد قرضاي، ووزير خارجيته الأسبق عبدالله عبدالله، ووزير ماليته السابق أيضاً اشرف غاني، ووزير تخطيطه السابق أيضاً رمضان بشار دوست، فإن السائد لدى المراقبين أن شيئاً لن يتغير على صعيد التوازنات الداخلية في أفغانستان.
لقد جرت الانتخابات، التي كانت قد تأجلت في وقت سابق من العام الحالي، في ظل وضع أمني متوتر في أنحاء البلاد.
وعلى خلاف الانتخابات الرئاسية في عام 2004 والانتخابات العامة والبرلمانات المحلية في 2005، التي أجريت بجهود مشتركة بين الأفغان والأمم المتحدة، أديرت انتخابات 2009 بواسطة اللجنة الأفغانية المستقلة للانتخابات. وتحملت الدول المانحة تكاليف الانتخابات، التي ارتفعت إلى 200 مليون دولار.
وعلى الرغم من تأخر إعلان النتائج الرسمية إلا أن الرئيس قرضاي هو الأقرب إلى الفوز ليس فقط بسبب انتمائه إلى قبائل البشتون صاحبة الأغلبية والتي يحكم أبناؤها أفغانستان منذ عصور بعيدة، وإنما بسبب رضا القوى الغربية مثل الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي عن أدائه، والى انه استطاع في الفترة التي سبقت الانتخابات إعادة بناء قاعدة سياسية واجتماعية قوية وصلبة يمكن أن تساعده في تحقيق هدف إعادة انتخابه لدورة ثانية.
تحالفات مثيرة للتساؤلات
فقد عقد الرئيس قرضاي تحالفات مع وحوش وأمراء الحرب والأصوليين، بهدف الحفاظ على موقعه. ورغم أنّ الدستور الأفغاني يحرّم على مجرمي الحرب الترشيح لمناصب عامة، فإن قرضاي اختار اثنين من أشهر قادة الميليشيات في منصب نائب الرئيس، وهما كريم خليلي ومحمد قاسم فهيم، وكلاهما خاضع لاتهامات بارتكاب الفظائع بحقّ الشعب الأفغاني.
ولم تتوقف تحالفات قرضاي عند هذه الشريحة العسكرية ـ القبائلية، بل شملت السماح لرجل مثل عبد الرشيد دوستم ـ أحد أشرس أمراء الحرب، والقائد الأعلى السابق لرئاسة أركان الجيش الأفغاني، والمسؤول عن مذبحة معتقل شيبرغان التي ذهب ضحيتها قرابة 1500 من مقاتلي الطالبان، كانوا قد استسلموا قبل ذلك لقوّات دوستم ـ ليس بالعودة إلى البلاد فحسب، بعد أن فرّ إلى تركيا خشية على حياته بعد محاولة اغتيال، بل إعادته إلى الوظيفة أيضاً، في محاولة لخطب ودّ القبائل الأوزبكية.
أمير حرب آخر، وهو محمد محقق، المقرّب من إيران والمتهم بسلسلة جرائم حرب، وُعد بخمس حقائب وزارية لحزبه، »الوحدة الشعبية«، الناشط في صفوف قبائل الهزاري الشيعية، مقابل دعم قرضاي في المناطق الشمالية.
وجرت الانتخابات الأفغانية على خلفية وضع امني متدهور وزيادة في أعمال العنف في أنحاء البلاد، وان كانت تتركز في الجنوب والشرق. ووسط مخاوف من أن انعدام الأمن بما يؤدي إلى انخفاض نسبة المشاركة وتعرض بعض الناخبين، وتحديدا النساء، للحرمان من التصويت وهو ما سيقوض شرعية الانتخابات.
وقالت الحكومة إن الشرطة الوطنية والجيش، بمساعدة من قوة المعاونة الأمنية الدولية (ايساف)، اتخذت إعدادات لضمان إجراء انتخابات هادئة وحرة وعادلة. وفي يوم الاقتراع، تولت قوات الشرطة والجيش تأمين النطاق حول مراكز الاقتراع والناخبين بينما بقت «ايساف» في وضع الاستعداد.
ضخامة التحديات
وكان حجم التحديات التي واجهت الانتخابات واضحا مع الصعود الحاد في أعمال العنف التي تنفذها حركة طالبان التي أحيت نشاطها وحلفاؤها في السنوات القليلة الماضية، وزيادة كبيرة في قوات ايساف منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بحيث وصل عددها الإجمالي إلى 60 ألفا في 2009. ويبلغ قوام الجيش الوطني والشرطة الوطنية الأفغانيين حوالي 82 ألفا و76 ألفا على الترتيب.
وبالرغم من ان طالبان هددت بعرقلة الانتخابات وحثت الناس على مقاطعتها، قائلة إن النتيجة حسمت مسبقا في واشنطن، إلا أنه لم ترد سوى تقارير محدودة عن هجمات متفرقة على منشآت انتخابية أو مرشحين.
وأعلنت جماعة تمرد أخرى، وهي الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، أنها لن تحاول عرقلة العملية الانتخابية بالرغم من أنها تعارض الانتخابات. ونفذت قوات الجيش والشرطة الوطنية الأفغانية وقوات ايساف بقيادة الناتو عمليات لفرض السيطرة على حوالي عشر مقاطعات، معظمها في الجنوب.
وقالت طالبان ان لها وجوداً كبيراً في مقاطعات أخرى كثيرة حيث سيطرت القوات الحكومية على مراكز المقاطعات فقط.
ويمكن القول ان تنظيم الانتخابات من دون منغصات كبرى من حركة طالبان يعد في ذاته نجاحا للحكومة الأفغانية، وان نسبة الحضور التي أعلن عنها وهى تقترب من 50 % حسب التقديرات الرسمية، وان كانت التقديرات المحايدة ترى انها كانت اقل من ذلك بكثير حيث قال مراقبون مستقلون نسبة المشاركة في الجنوب لم تتعد 10 في المئة، بينما وصلت إلى 25 و30 في المئة في ولايتي قندهار وهلمند على التوالي، بسبب العنف وحملة التهديد التي نفذها مسلحو «طالبان» ضد الناخبين.
في كل الأحوال، فإن كل النسب تعتبر نجاحاً آخر للحكومة، ولكن كل ذلك لا ينفى أن حركة طالبان مازلت تتقدم في بعض المناطق وأنها تسيطر على ما يقرب من نصف مساحة أفغانستان، وهو ما يعنى أنها أصبحت رقماً صعباً على رئيس الجمهورية أن يتعامل معه، سواء سياسياً أم امنياً.
الهيمنة الغربية
ولا يأتي توقع عدم حدوث التغيير في أفغانستان من توقع فوز الرئيس قرضاي فقط، ولا من عودة عمليات حركة طالبان المكثفة، ولكن من كون أن المتحكم الأول في تضاعيف السياسة الأفغانية هو القوى الغربية التي تريد استمرار نفس السياسة لأسباب تتعلق بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في أفغانستان والمنطقة المحيطة بها.
لذا من المتوقع وكنتيجة لهذه الانتخابات أن تعود مجموعات الطالبان إلى الواجهة مرة أخرى، ليس من بوّابة الأمن فحسب، بل من بوّابة المعادلات السياسية الداخلية. ففي رأى العديد من المراقبين أن ما يتردّد الآن عن نيّة واشنطن فتح حوار مع حركة طالبان، بعد الانتخابات الرئاسية، هو بمثابة إقرار صريح بأنّ الذي انتصر حتى اللحظة في الصراع هي حركة طالبان، وليس قرضاي أو «تحالف الشمال» أو أيّ من أحزاب أو ميليشيات أو قبائل البشتون والطاجيك والأوزبك والهزارة.
ويرى المراقبون نفسهم أن معظم المجموعات القبائلية والإثنية في أفغانستان عليها الارتقاء إلى مستوى الحدث ومسؤولياته، وإلا ستواجه البلاد مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط إثنية ومذهبية وقبائلية تُجهز على ما تبقّى من وحدة اجتماعية ـ سياسية في طول البلاد وعرضها.ذلك ان هناك أية قوّى إقليمية مثل باكستان؟ وإيران وروسيا تسعى إلى بلقنة أفغانستان أو لبننتها حسب توصيف الكاتب السوري صبحي حديدي.
وبالطبع فإن الانتخابات التي جرت في أفغانستان ستساهم في تجديد شرعية النظام الحالي هناك وهو النظام الذي تأسس بدعم غربي في نهاية عام 2001. يؤكد ذلك التصريحات التي خرجت من جهات غربية متعددة حول نزاهة العملية الانتخابية حيث أشادت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بالانتخابات الأفغانية وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن انتخابات أفغانستان نجحت رغم مساعي حركة طالبان لعرقلتها. وأضاف «يجب أن نركز على إنجاز المهمة في أفغانستان، لكن ذلك سيستغرق بعض الوقت».
دعم دولي
وقال البيت الأبيض إن الأفغان أقبلوا على التصويت في الانتخابات بأعداد كبيرة رغم تهديدات طالبان، وإن السياسة الأميركية بشأن الحرب المستمرة منذ ثمانية أعوام في البلاد لن تتغير بعد انتخابات الرئاسة الأفغانية. وأشادت الأمم المتحدة أيضاً سير العملية الانتخابية، ووصفها حلف شمال الأطلسي بأنها ناجحة أمنيا رغم ما وقع أثناءها من أعمال عنف.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في بيان «من خلال ممارسة حقهم الدستوري أعرب الأفغان مجددا عن رغبتهم في استقرار وتنمية بلادهم. وكل ذلك يعنى أن هناك إجماعا دوليا على نزاهتها، وكل ذلك يمكن أن يعطي شرعية ما للخطوات التي ستتخذها الحومة الأفغانية في مرحلة ما بعد الانتخابات حتى وان شملت الاتصال بحركة طالبان التي تنفي الحكومة إمكانية حدوث ذلك الآن بل كان هذا الأمر احد المحاور الرئيسية في الحملة الانتخابية للمرشحين.
فالمتوقع أن تستمر الاتصالات غير الرسمية بحركة طالبان، لأن ذلك هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن يخرج الولايات المتحدة من ورطتها في أفغانستان، فحتى ولو كان الرئيس باراك أوباما جعل من الحرب ضد طالبان أولويته المتقدمة فيما يتعلق بالصراعات الخارجية المتورطة فيها الولايات المتحدة، فإن ذلك لا يحول دون الاعتراف بان الولايات المتحدة لم تحقق انتصاراً هناك، بل إن مجريات الأمور تؤكد أن طالبان والقاعدة هما المنتصران في مواجهة القوات الأميركية، وهو ما يتطلب التفاوض معها والتوصل إلى صيغة ما معها تحفظ الوجه الأميركي وهو ما يحدث سرا في الوقت الراهن بواسطة حكومة قرضاي.
وما حدث في أفغانستان الأسبوع الماضي من تنظيم للانتخابات لابد وان يكون هو المقدمة لعملية سياسية مستمرة من أجل أعادة الاستقرار إلى هناك، ذلك أن خطر الفوضى وعدم الاستقرار مازال ماثلا.
كذلك فإن أي خلل بالتوازن الحالي يمكن أن يفتح الباب أمام خيارات سيئة، ولا يوجد طرف يستطيع أن يحقق انتصارا ساحقا على الأطراف الأخرى، لذلك فإن خيار التوصل إلى تسوية في مرحلة ما بعد الانتخابات يمكن أن يكون هو الأفضل وهذا الخيار يقوم على عقد اجتماع لمجلس القبائل «اللويا جركا» من أجل بحث التوصل إلى حل حاسم للمشكلات الأفغانية والخلافات بين القبائل، ذلك أن عدم تقبل الخاسرين للنتائج واحتمالات الإعادة بين قرضاي وعبدالله، كلاهما يمكن أن يهدد بالدخول إلى صراعات أثنية وعرقية تعيد إنتاج الأزمات الأفغانية المتلاحقة.
مخالفات
تبرير غير مقبول للتزوير
يبدو أن هناك محاولات مكثفة لتبرير الانتخابات التي جرت في أفغانستان في ضوء تزايد الانتقادات التي وجهت إليها والتي جعلتها لا تختلف عن أي انتخابات في دولة أخرى من دول العالم الثالث من تلك التي يشوبها التزوير وفي ذلك الخصوص قالت لجنة الانتخابات المستقلة إنه أيا كانت عيوب الانتخابات الأفغانية فإنها تبقى أفضل من عدم إجرائها.
وحسبما نقلت إذاعة بي بي سي نقلا عن رئيس اللجنة عزز الله لدين قوله «أفغانستان في مرحلة انتقال، ومن المتوقع أن تقع بعض المخالفات وتحدث بعض الممارسات لكن الانتخابات كانت ناجحة».
غير أن لدين قال إن لجنته مستعدة لبحث أي شكوى من أي جهة كانت والتحقيق في الممارسات والمخالفات.
وأضاف أن أمام المعترضين سبيلا آخر هو اللجنة القضائية العليا التي تشمل قضاة دوليين وحقوقيين عالميين. ورفض رئيس اللجنة وصف الانتخابات بأنها فاسدة. وقال إنها كانت تجربة يمكن أن يتعلم منها الأفغان كي تبدأ أفغانستان مرحلة جديدة. غير أنه أقر بأنها لم تكن شفافة بدرجة كبيرة. وأضاف «أي انتخابات مهما تكن مشاكلها وعيوبها تظل أفضل من عدم إجراء أي انتخابات».
إضاءة
ما حدث في أفغانستان الأسبوع الماضي من تنظيم للانتخابات لابد وان يكون هو المقدمة لعملية سياسية مستمرة من أجل أعادة الاستقرار إلى هناك، ذلك أن خطر الفوضى وعدم الاستقرار مازال ماثلا، كذلك فإن أي خلل بالتوازن الحالي يمكن أن يفتح الباب أمام خيارات سيئة، ولا يوجد طرف يستطيع أن يحقق انتصارا ساحقا على الأطراف الأخرى، لذلك فإن خيار التوصل إلى تسوية في مرحلة ما بعد الانتخابات يمكن أن يكون هو الأفضل.
خالد السرجاني
