شهد يوم الاثنين، العاشر من أغسطس بدء المحادثات الدولية التي عقدت لتدارس أثر ظاهرة التساخن العالمي (تأثير الدفيئة كما يقال في مصطلح بديل) على تغيير المناخ الكوكبي، مع ما يصاحب ذلك من آثار سلبية إن لم تكن وخيمة على كل مظاهر الحياة فوق سطح الأرض.

مكان هذه المحادثات كان مدينة «بون» الألمانية.. وتجلت في جلساتها الافتتاحية مظاهر الخلاف الذي تتسع شقته مع مرور الأيام بين ثلاث فئات من الدول هي:

ـ الدول النامية. ـ الدول المتقدمة. ـ الدول الصاعدة.

وكان طبيعيا أن تبادر الدول النامية بالشكوى إزاء ما يتخلف عن النشاطات الصناعية عند الرفاق المتقدمين من انبعاثات كربونية هي التي تسبب ـ كما تقول جمهرة علماء البيئة ـ في انتشار غازات الاحتباس الحراري مما يرفع درجة حرارة الأرض ويصيب صحة الكوكب بمظاهر شتى من الاعتلال.. ليس أهونها ـ إن لم يكن أفدحها ـ هو ظاهرة الذوبان إلى حد الانصهار التي أفادت المراصد العالمية بأنها ما برحت تصيب الجبال الجليدية ـ السرمدية إن شئت ـ سواء في الدائرة المتجمدة القطبية التي تطل عليها كل من روسيا وكندا ودول الشمال النوردية (السكندنافية) في شمال العالم.. أو في قارة أنتاركتيكا الواقعة في جنوب الكرة الأرضية.

ولأن الله جل شأنه خلق العالم على أساس نظام غاية في الرهافة والدقة بحيث تحكمه قوانين كونية تُجسد حكمة الإعجاز حتى لا يرى المرء في خلق الله من تفاوت ـ على نحو ما عبر العالم الباكستاني المسلم البروفيسور محمد عبد السلام لحظة تسلمه جائزة نوبل في علم الكيمياء عام 1979، فإن هذا الاحترار، ومن ثم التساخن والانصهار الجليدي كفيل بأن يرفع منسوب البحر مما يهدد بكوارث الفيضان والاجتياح المائي.

دفاع الدول المتقدمة

من ناحيتها دفعت الدول المتقدمة بأنها تبذل جهودا متواصلة وحثيثة تهدف إلى تحويل نشاطها الاقتصادي إلى مجال صناعات الخدمات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات «آي تي» كما أصبحت تعرف عالميا) وهي أنشطة لا تنجم عنها في الغالب انبعاثات كربونيّة ولا غازات ضارة بالحياة على سطح الكوكب.. ولدرجة أن أصبح هناك من الباحثين والمحللين من يصف هذا التحول نحو التكنولوجيات الرقمية (ديجيتال) والأنشطة الخدمية (بخلاف الصناعات التحويلية) بأنها أقرب ما تكون إلى ثورة على الثورة الصناعية التقليدية التي شهدها القرن التاسع عشر ونجم عنها من يومها أوبئة تلويث المحيط الحيوي ـ البيئي لكوكب الأرض على نحو ما شهده وعاناه القرن العشرون.

أما فئة الاقتصادات الصاعدة وفي مقدمتها تحديداً اقتصاد كل من الصين والهند والبرازيل وروسيا فقد تلقت بدورها تنديدا بما أصبح يصدر عن أنشطتها الاقتصادية ـ الصناعية من انبعاثات سامة من أول وثاني أوكسيد الكربون (أصبحت الصين توازي أمريكا في هذا المضمار بحيث تشكل نحوا من ربع الانبعاثات الضارة في العالم) وقد دفعت هذه الفئة الصاعدة اقتصاديا بأنها في حالة يمكن وصفها بأنها نوع من «التعويض الإنمائي» أو «التنمية التعويضية» التي تتيح لها ملاحقة خطى الذين سبقوا على صراط التقدم في الغرب الأوروبي والأميركي، وبما من شأنه تحقيق توازن سياسي وثقافي يخفف من وطأة احتكار الغرب، الأورو ـ أميركي ـ لمقاليد الأمور في عالمنا.

من تواريخ الاستعمار

وازدادت سخونة المرافعات إلى حد وصل للتذكير ـ إن كان هناك من نسى أو تناسى ـ أن تقدم الغرب في أوروبا لم يأت بفضل عبقرية تفردّت به شعوبها بقدر ما جاء بفضل التراكم الرأسمالي واتساع السوق وتوافر الخامات الأولية بأبخس أسعار لم تلق منافسا ولا غريما.. وتم ذلك كله ـ كما يسجل تاريخ العالم من القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين ـ خلال حقبة من تاريخ عالمنا حملت عنوانا بالغ القسوة شديد الكآبة هو: حقبة الإمبريالية.. عصر الاستعمار

في كل حال كادت الفتات الدولية الثلاث التي التأم عقدها في «بون» تُجمع على أن خطرا داهما وشاملا يتربص بسكان العالم كله أيا كانت مواقعهم وتوجهاتهم ومن ثم كان ترقّب جولة جديدة، من المقرر عقدها في العاصمة الدنماركية «كوبنهاغن» حيث من المتوقع أن تتوصل الأطراف العالمية إلى اتفاقية دولية جديدة تتناول حالة وتغيرات المناخ الكوكبي، وتشكّل من ثّم صكا مستجدا على حوليات القانون البيئي الدولي، إضافة إلى صكوكه السابقة ما بين اتفاقيات مونتريال وكيوتو فضلا عن مجموعة الغايات المتفق عليها على صعيد الأمم المتحدة تحت اسم «الأهداف الإنمائية للألفية» وما سبقها من فعاليات أشرفت على بلورة نتائجها المنظمة الدولية، وأصبحت الإحالة إليها، فضلا عن مراجعتها وتنقيحها بل تحديثها فرض عين ـ كما يقول التعبير الفقهي البليغ ـ بالنسبة لكل دولة في عالمنا.. وعلى رأس هذه الفعاليات مؤتمر «البيئة والتنمية» المعقود في ريودي جانيرو ـ البرازيل في ربيع عام 1992.

أجراس الخطر الداهم

ثمة عنصر مفاجئ وداهم أيضا يكاد يدفع بهذا «الشأن الأيكولوجي» إلى بؤرة الاهتمام لا بين علماء أو حتى وزراء البيئة فقط ومن في حكمهم من تكنوقراط الإيكولوجيا كما قد نسميهم، ولكن هذا العنصر جاء ليقرع أجراس إنذار مفزعة بعد ما وقع مؤخرا من كوارث زلزالية في كل من الهند واليابان وأعاصير مدمرة أصابت جزر الفلبين.. فضلا عن ذلك التوقع الذي يكاد يحبس الأنفاس إزاء خطر تكرار كارثة الموجات المحيطية العاتية التي عرفت باسم «تسونامي» في مناطق شتى تمتد من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ في جنوب الشرق الآسيوي الأقصى.

يأتي الجديد الذي رصدناه في هذا كله متمثلا في المسار الفكري ـ السياسي ـ التالي: إن تغيرات المناخ لم تعد مجرد مشكلة طقسية أو حتى إنسانية ولا حتى قضية من قضايا السياسات التي تتداولها الدول والحكومات. مشكلة تغير المناخ تعمّق أثرها وزاد خطرها ومن ثم ارتقت في مستوى خطورتها لتصبح قضية تهديد الأمن القومي، هكذا كتب المحلل الأميركي «جون برودر» دراسته في جريدة نيويورك تايمز (عدد الاثنين، 9 أغسطس 2009) تحت العنوان التالي: التعامل مع (قضية) تغير المناخ بوصفه تهديدا لأمن الولايات المتحدة.

تقول الدراسة: إن تغير المناخ العالمي (الكوكبي) سوف يشكّل تحديات استراتيجية عميقة تواجه الولايات المتحدة على مدار العقود الزمنية المقبلة.. ولدرجة أن تلوح معها احتمالات التدخل العسكري من أجل التعامل مع آثار الأعاصير العاتية وحالات الجفاف والتي تفضي إلى موجات كثيفة من الهجرة الجماعية وانتشار الأوبئة.

تشير الدراسة الأميركية أيضا إلى الدراسات النظرية والتدريبات والممارسات العملية التي تقوم بها دوائر الاستخبارات الأميركية وأوساط وزارة الدفاع في واشنطن (البنتاجون) وكلها تتعلق بالاحتمالات التي يرى المراقبون والمحللون في المخابرات والبنتاجون أنها كفيلة بأن تفضي إلى آثار ونتائج بالغة الخطورة، منها ما يلي على سبيل المثال:

ـ الإطاحة بحكومات (انقلابات في نظم الحكم).

ـ اشتداد ساعد و(خطورة) المنظمات الإرهابية.

ـ زعزعة الاستقرار في مناطق بأكملها من العالم.

في كل حال ـ يوضح المحلل جون برودر ـ فلأول مرة تشكل تغيرات المناخ موضوعا ازدادت خطورته لدرجة أن بات يستأثر بنظرة غاية في الجدية من حيث الآثار المترتبة عليه بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة.

ـ من حيث المدى الزمني يتدارس الخبراء آفاق هذا الخطر على مدار العشرين إلى الثلاثين سنة المقبلة.

ـ من حيث النطاق الجغرافي.. تشير دراساتهم إلى مناطق بعينها يتصورون أنها معرضة أكثر من سواها لتلك المؤثرات السلبية.. مناطق من قبيل: أفريقيا جنوب الصحراء + الشرق الأوسط + جنوب وجنوب شرقي آسيا.

ـ من حيث نوعية الأخطار المترتبة على هذه التغيرات المناخية.. يحاول هؤلاء الخبراء الاستخباراتيون والعسكريون الأميركان أن يلخصوها في: أزمات نقص الأغذية + أزمات ومشاحنات الموارد والإمدادات المائية + كوارث الجفاف من ناحية وكوارث الفيضانات من ناحية أخرى.

نموذج كلية الدفاع

وعلى وجه التحديد، يشير الكاتب الأميركي إلى نموذج بحثي صممته وأدارته «كلية الدفاع الوطني» في أميركا لتدارس هذه الآثار المناخية وعلاقتها بعوامل الاستقرار الإقليمي فضلا عن دور ومسئوليات أميركا ومصالحها القومي.

النموذج تم تفعيله ودراسته في شهر ديسمبر الماضي.. وكان يتعلق تحديدا ببلد آسيوي مسلم هو «بنغلاديش».. وفي إطاره تدارس المحللّون الأميركيون «الآثار المحتمل أن تنجم عن فيضان مدمر يحدث في البلد المذكور ويتسبب في تحويل الآلاف من سكانه إلى جموع حاشدة من اللاجئين الذين لن يجدوا بدّا من الاندفاع إلى أراضي الهند المجاورة وهو ما قد يتسبب في اندلاع نزاعات دينية أو طائفية، وانتشار الأمراض المعدية وإلحاق دمار واسع النطاق بمرافق وهياكل البنى الأساسية. «والمشكلة أن يحدث هذا كله بوتيرة شديدة السرعة وبإيقاع بالغ السوء» على نحو ما تقول مسؤولة أميركية هي السيدة «أماندا دوري» نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الاستراتيجية التي عهدوا إليها بمهمة لا يخلو عنوانها من دلالة واضحة وهي: إدراج مسألة تغيّر المناخ (الكوكبي) ضمن أجندة تخطيط استراتيجيات الأمن القومي للولايات المتحدة.

تلاحظ دراسة «النيويورك تايمز» أيضا أن المسألة لم تعد لتقتصر في أهميتها والتعامل معها على دور المختصين أو الخبراء عسكريين كانوا أو مدنيين.. أن هذا الوعي بأهمية قضية المناخ بالنسبة للأمن القومي أفضى بالأميركان إلى تحديد شهر سبتمبر المقبل موعدا لبدء حوار بشأن هذه القضية على مستوى الكونجرس الأميركي بعد أن وضعوها على جدول أعمال مجلس النواب وأصدروا بشأنها مشاريع قوانين أحالوها إلى اللجان المختصة في مجلس الشيوخ.

في هذا السياق يشير عضو بارز في المجلس المذكور، هو السناتور جون كيري ـ رئيس لجنة العلاقات الخارجية ـ إلى أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات وإصدار تشريعات حاسمة في هذا المضمار. من ناحيتها أيضا تشير الدراسة إلى أن إدارة الرئيس أوباما جعلت من قضية المناخ محورا مركزيا من محاور سياستها (الداخلية والخارجية) ولاسيما في ضوء ما شهده العام الماضي من صدور التقييم الأول عن آثار تغيرات المناخ الذي اختتم سطوره محذرا من أن هذه التغيرات كفيلة بأن تفضي إلى مجموعات من المشاكل التي تضم ازدياد أعداد الفقراء في العالم وتدهور البيئة واستضعاف الحكومات الوطنية أمام وطأة الآثار الناجمة.

باختصار شديد.. فقد خرجت قضية البيئة ومشاكلها من مختبرات العلماء إلى حيث أصبحت قضية محورية لابد وأن تطرح على أوسع بساط من البحث والدرس والمشاركة لأنها باتت همّا قوميا يؤثر على أجيال الحاضر والمستقبل.

إضاءة

دفعت الدول المتقدمة بأنها تبذل جهودا متواصلة وحثيثة تهدف إلى تحويل نشاطها الاقتصادي إلى مجال صناعات الخدمات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات «آي تي» كما أصبحت تعرف عالميا وهي أنشطة لا تنجم عنها في الغالب انبعاثات كربونيّة ولا غازات ضارة بالحياة على سطح الكوكب.. ولدرجة أن أصبح هناك من الباحثين والمحللين من يصف هذا التحول نحو التكنولوجيات الرقمية (ديجيتال) والأنشطة الخدمية (بخلاف الصناعات التحويلية) بأنها أقرب ما تكون إلى ثورة على الثورة الصناعية التقليدية التي شهدها القرن التاسع عشر ونجم عنها من يومها أوبئة تلويث المحيط الحيوي ـ البيئي لكوكب الأرض على نحو ما شهده وعاناه القرن العشرون.

محمد الخولي