يقرأ المراقبون السياسيون واقع التحسن الأمني النسبي، منذ سنة 2007، في بغداد وبعض المحافظات، من خلال معادلة «سياسية ـ عسكرية»، محورها «القاعدة مقابل جيش المهدي»، لان إفساح الحكومة، مدعومة من الجانب الأميركي، المجال لسيطرة جيش المهدي، جعل الكثير من العرب السنّة يلتمسون الحماية لدى تنظيم القاعدة، لذا شكل الانقلاب على جيش المهدي عاملا مساعدا مهما للتخلص من نفوذ القاعدة.

وتنطبق هذه الحالة إلى حد بعيد على الوضع في ما تسمى «المناطق المتنازع عليها»، وخاصة محافظة نينوى، التي كان الفشل مصير العمليات العسكرية فيها، ومنها عملية «أم الربيعين»، التي ترافقت مع عمليات «فرض القانون» في بغداد، «صولة الفرسان» في البصرة. في عملية «أم الربيعين» طرح العديد من السياسيين هذه المقايضة «القاعدة مقابل البشمركة»، لان قوات الأمن الكردية «الأسايش»، ومعها قوات البشمركة، كانت تفرض سيطرتها على عموم محافظة نينوى، ومركزها مدينة الموصل، الأمر الذي يراه أهالي نينوى تمددا لحكومة إقليم كردستان في محافظتهم، كان من بين الممهدات له قيام تنظيم القاعدة بمنع أهالي المحافظة من المشاركة في الانتخابات السابقة، ما جعلها تقع تحت سيطرة الأحزاب الكردية الرئيسية وحلفائها.

وعند تطبيق عملية «أم الربيعين»، امتنعت قوات البشمركة والأسايش من مغادرة المحافظة، كما امتنعت الأحزاب الكردية عن إخلاء المباني الحكومية التي تحتلها، ما أدى إلى امتناع أهالي نينوى عن الوقوف ضد القاعدة والتنظيمات المسلحة الأخرى، وبالتالي فشل العملية العسكرية.

تواطؤ أم أمر واقع؟

وفي الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات، لم تتدخل التنظيمات المسلحة ضد مشاركة العرب السنّة، بل ربما دعمت هذه المشاركة، للوقوف بوجه التمدد الكردي، الذي اتهم القائمة الفائزة بـ «دعم الإرهاب»، وبأنها، رغم فوزها بأكثر من نصف الأصوات، تمثل البعث الصدامي، وغير ذلك من الوصفات الجاهزة.

وتحاول الكتلة الكردستانية، مع الموالين لها، إرباك تحول السلطات المحلية، من خلال مقاطعة مجلس المحافظة الجديد، وإعلان مسؤولين إداريين في قضائي شيخان وسنجار التابعين لمحافظة نينوى، عدم التعامل مع المجلس الجديد، لأنه لم يعط مناصب رئيسية للقائمة الكردستانية، على الرغم من أن المكون الكردي موجود في قائمة نينوى الحدباء، ويشغل منصب نائب رئيس مجلس المحافظة، ممثلا بشخص دلدار عبد الله زيباري، رئيس حزب العدالة والحرية الكردستاني، ولعل هذا أكثر ما أثار غيظ الحزبين الكرديين الرئيسيين، بوجود قوة كردية غيرهما.

وأثارت قرارات الإداريين في قضائي سنجار وشيخان، وعدد آخر من الوحدات الإدارية، بدفع من التحالف الكردستاني، ردود فعل تميز معظمها بالسخرية، لأنها تعني قيام أي كيان سياسي بالعصيان في المنطقة التي له نفوذ فيها، ما لم يمنح مراكز مهمة في مجلس المحافظة التي تتبع إليها تلك المنطقة!

وحسب النائب عن جبهة التوافق العراقية نور الدين الحيالي «إن نينوى شهدت استقرارا امنيا قبل انتخاب مجلس المحافظة، فلماذا تصاعدت أعمال العنف الآن، ومن هي الجهة المستفيدة من إرباك الوضع الأمني؟».

انقلاب تراجيدي

يرى المراقبون أن إلقاء نظرة على تشكيلة مجلس محافظة نينوى السابقة، والتشكيلة الجديدة، من شأنه أن يعطي إجابات دقيقة، حيث تبدو هذه المحافظة الشمالية من أكثر المحافظات العراقية تعرضا لهزّة الانتخابات الأخيرة، بعد انقلاب موازين القوى بشكل «تراجيدي»، أفقد المجلس السابق للمحافظة ما كانت له من هيمنة، لصالح جهة لم يكن الآخرون يحسبون لها الكثير من الحسابات، إلى درجة المطالبة باستبعاد بعض رموزها من المشاركة السياسية.

وكان التحالف الكردستاني يشغل، في المجلس السابق 31 مقعدا من أصل 41، أي ما يعادل 75 بالمئة، وهي نسبة غير معقولة للمكون الكردي، الذي يشكل أقلية في المحافظة.

وعلى الرغم من هيمنة التحالف الكردستاني في محافظة نينوى، وإشغاله المناصب العليا، وامتلاكه قوات عسكرية وأمنية «البشمركة والأسايش»، فانه لم يحصل في الانتخابات الأخيرة، مع القوى المتحالفة معه، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني، والاتحاد الإسلامي الكردستاني، إلا على 12 مقعدا، من أصل 37، بعد تقليص عدد أعضاء مجلس المحافظة.

أما المجلس الأعلى الإسلامي، حليف الكردستاني، الذي كان يشغل خمسة مقاعد، فلم يحصل على أي مقعد في المجلس الجديد، كما لم تحصل قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي، وكذلك قائمة الأحرار المدعومة من التيار الصدري على أي مقعد، في حين «ارتفع» رصيد الحزب الإسلامي من مقعدين في المجلس السابق إلى 3 مقاعد في المجلس الجديد.

وفي المجلس السابق كان هناك مقعدان للعشائر العربية، ومقعد واحد للمسيحيين، أما في المجلس الجديد، فلم تخصص فيه مقاعد للعشائر العربية، التي انخرطت ضمن قائمة «نينوى الحدباء»، بينما خسر التحالف الكردستاني المنافسة على مقاعد «كوتا» الأيزيديين والشبك، ولكل منهما مقعد واحد، حيث تحالفا مع قائمة الحدباء، بينما ظل ممثل المكون المسيحي محايدا.

وجاءت مفاجأة محافظة نينوى، بفوز قائمة «الحدباء» بأكثر من 52 بالمائة من الأصوات، وحصولها على أكثر من نصف مقاعد المحافظة «19 من 37»، وتحالف ممثلي «الكوتا» معها، في حين لم يحدد الحزب الإسلامي موقفا واضحا حتى الآن، لأنه لا يريد أن يخسر تحالفه مع الأحزاب الكردية، رغم قرب طروحاته من طروحات قائمة الحدباء، التي يتهمها الساسة الأكراد بـ «الإرهاب»، و«الانتماء إلى النظام السابق»، كما سبق أن طالبوا برفع الحصانة البرلمانية عن القيادي في القائمة العراقية الوطنية عن محافظة نينوى، أسامة النجيفي، الأخ الشقيق لأثيل النجيفي، رئيس قائمة «نينوى الحدباء».

ويتهم «آل النجيفي»، ومعهم العديد من القوى السياسية، الطرف الكردي، بالوقوف وراء موجات الإرهاب والتفجيرات وتهجير الأقليات في محافظة نينوى، بهدف الإبقاء على نفوذهم وتواجدهم العسكري في المحافظة، التي حاولوا السيطرة عليها منذ بدية الاحتلال، في وقت ترى قائمة «الحدباء» والعديد من القوى السياسية أن حدود محافظة نينوى «خط احمر»، من غير المقبول التجاوز عليها.

دستور مبهم

إلا أن أهم ما يلفت النظر في التطورات الأخيرة، إعلان حكومة إقليم كردستان عن دستور، يضم «المناطق المتنازع عليها» أو «المناطق المستقطعة من إقليم كردستان»، وتشمل أجزاء كبيرة من محافظة نينوى.

ولا ترى قائمة «الحدباء» وجود مناطق «متنازع عليها» في نينوى، إذ لم يكن هناك تنازع في أية حقبة من تاريخ العراق، ناهيك عن «المناطق المستقطعة»، التي لا يعرف احد متى كانت ضمن إقليم كردستان؟ ومتى استقطعت؟، بل لا يعرف احد إن كانت هناك حدود للإقليم في أي يوم من الأيام، عدا تلك المحافظات التي كان يطلق عليها في عهد صدام حسين «منطقة الحكم الذاتي»، والمحددة بمحافظتي اربيل والسليمانية، والتي ضمت إليها محافظة دهوك، عند قيام القوات الأميركية بإنشاء المحمية الكردية في سنة 1991، والتي أصبحت في عهد لاحتلال تحمل اسم «إقليم كردستان»، وفق سياسة فرض الأمر الواقع، ومن دون أي سند قانوني أو دستوري.

وقد أشعل تعبير «المناطق المستقطعة»، الذي جاء خارج الدستور العراقي، فتيل أزمة جديدة، حيث استبعد رئيس قائمة الحدباء الوطنية أثيل النجيفي استتباب الأمن في مدينة الموصل، وعموم محافظة نينوى، خلال الأيام أو الأشهر القليلة القادمة، وعزا ذلك إلى عدم توحيد صفوف قوى الأمن، ووجود عناصر أمنية غير مرغوب فيها داخل وخارج المدينة.

وقال أثيل النجيفي في مؤتمر صحفي عقده بمدينة الموصل:

إن القوات الأمنية المفترض أن تسهم في بسط الأمن بالمدينة، عليها مجموعة مؤشرات سلبية، تجعلها غير قادرة على أداء هذه المهمة، مؤكدا أن وجود القوات الكردية «البشمركة»، وانتشارها داخل مدينة الموصل وخارجها هو السبب الرئيس في عدم استتباب الأمن بمدينة الموصل.

وحول إمكانية وجود نوع من الاتفاق مع قائمة التحالف الكردستاني، في المستقبل، لإدارة المحافظة، أشار النجيفي إلى وجود استحقاق المشاركة لهذه القائمة، من اجل تقديم أفضل الخدمات لأبناء محافظة نينوى، إلا أن ذلك يجب أن يتم من خلال التفاهم، واعتبار مصلحة المحافظة فوق كل الاعتبارات الأخرى، وفوق الولاءات لإطراف من خارجها، تحاول تفتيت وحدة المحافظة.

وقال النجيفي إن التحالف مع أية قائمة يعتمد على مدى تقبلها لبرنامج قائمة «الحدباء»، الذي يؤكد على أن محافظة نينوى «لن تكون ميدانا للصراع حول المادة 140».

وأوضح النجيفي: إن الانتخابات «ليست للأحزاب والأشخاص، وإنما للبرنامج السياسي الذي يرغب به المجتمع، وقد فاز برنامجنا الذي طرحناه، والتحالف أو التعاون مع القوائم الخاسرة سيعتمد على مدى تقبلهم لبرنامجنا، حيث لا يمكننا أن نتحالف ونتفق أو نعطي السلطة لأي جهة، فيما تقوم هي بمعارضة برنامجنا السياسي أو العمل بعكسه، فمن غير المعقول أن يتنازل الفائز عن برنامجه للخاسر، لان هذا سيعتبر انتكاسة كبيرة للانتخابات».

وبخصوص بقاء قوات البشمركة في الموصل، خصوصا بعد أن طالب الشيخ عبد الله الياور، احد مؤسسي قائمة الحدباء، بإخراج هذه القوات من محافظة نينوى، قال النجيفي «حسب قناعتنا في قائمة الحدباء إن من أهم أسباب فقدان الأمن في محافظة نينوى تعدد مراكز القوى، حيث توجد أربعة مراكز قوة علنية، إضافة إلى وجود مراكز قوة خفية، لان تعدد مراكز القوى هو الذي ينتج تصارعا بين مراكز هذه القوى، وينتج أيضا فراغات فيما بينها، وتعيش الكثير من العصابات إما تحت كنف هذه المراكز، أو بين فراغات هذه المراكز».

وأوضح انه لا يمكن لمحافظة نينوى أن تستقر إلا إذا توحدت السلطة فيها باتجاه واحد، وتكون تابعة إلى مركز محافظة نينوى، والى مجلس المحافظة، وفيما عدا ذلك سيكون هناك ضياع امني مستمر لهذه المحافظة، والقانون حدد هذا الموضوع، والدستور كذلك، مضيفا «لا يوجد لأي سلطة أخرى الحق في أن تتواجد أو تتدخل، أو تنشئ لها وجودا امنيا أو إداريا، إلا من خلال مؤسسات مجلس محافظة نينوى، أو الحكومة المركزية في بغداد».

تناغم الطروحات

ولا بد من الإشارة إلى أن طروحات النجيفي في هذا المجال تأتي متناغمة مع طروحات رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي تعرض مرات عدة إلى عصيان أوامره من قبل الإدارات المدنية والعسكرية في نينوى، التي كانت تعلن صراحة أنها تتلقى الأوامر والتعليمات من رئاسة إقليم كردستان، حيث كان الطرف الكردي هو المسيطر على مجلس المحافظة، الأمر الذي أدى، على وجه الخصوص، إلى إجهاض عملية «أم الربيعين» الأمنية في نينوى.

وحول المناطق «المتنازع عليها»، الموجودة داخل الحدود الإدارية لنينوى، قال النجيفي إن «الدستور العراقي اقر الحدود الإدارية لمحافظة نينوى، كما كانت قبل بدء العمليات العسكرية عام 2003، وما مطروح الآن، وما يدور من حديث حول المادة 140 في هذا الموضوع، أو ما تضمنه مشروع دستور إقليم كردستان، هو خارج السياق، وسنحقق رؤيتنا في هذا الموضوع من خلال البرلمان العراقي والحكومة».

وأكد «أن الحدود الإدارية لمحافظة نينوى مثبتة رسميا، ويجب علينا التمسك بذلك»، مطالبا قائمة «نينوى المتآخية» الكردستانية، بالنظر إلى أدائها السيئ خلال الفترة السابقة، وان لا تبقى أسيرة لقيادات محلية أساءت إلى الأكراد أكثر من إساءتها إلى العرب.

إضاءة

أشعل تعبير «المناطق المستقطعة»، الذي جاء خارج الدستور العراقي، فتيل أزمة جديدة، حيث استبعد رئيس قائمة الحدباء الوطنية أثيل النجيفي استتباب الأمن في مدينة الموصل، وعموم محافظة نينوى، خلال الأيام أو الأشهر القليلة القادمة، وعزا ذلك إلى عدم توحيد صفوف قوى الأمن، ووجود عناصر أمنية غير مرغوب فيها داخل وخارج المدينة.

وقال أثيل النجيفي في مؤتمر صحفي عقده بمدينة الموصل: إن القوات الأمنية المفترض أن تسهم في بسط الأمن بالمدينة، عليها مجموعة مؤشرات سلبية، تجعلها غير قادرة على أداء هذه المهمة، مؤكدا أن وجود القوات الكردية «البشمركة»، وانتشارها داخل مدينة الموصل وخارجها هو السبب الرئيس في عدم استتباب الأمن بمدينة الموصل.

بغداد ـ عراق أحمد